هو السيفُ إلا يُمْتَشَقْ ليسَ يُتّقَى
ولا غيرُهُ الإفحامُ إنْ شِئتَ مَنطِقا
وإنَّ امْرَءًا لمْ يَرْفَعِ الكَفَّ ضارِبًا
لَرَافِعُها يومًا لِسُؤْلٍ تَمَلُّقا
ألا قَبَّحَ اللهُ الوُجوهَ التي هَوَتْ
على قَدَمِ الجانِي عليها لِتَلْعَقا
وأبدَتْ لِمَنْ أبْدَى لَها الرِّفقَ نابَها
وظَنَّتْ بِهِ الهَوانَ لَمّا تَرَفَّقا
وأكْرِمْ بقومٍ ما يُمَسُّ تُرابُهُمْ
فإنَّ لَهُمْ رَأيًا هُوَ الدَّمُ مُغرِقا
يَرَوْنَ العُلا حَقًا لَهُمْ وضرورَةً
كَما الماءِ في الأحياءِ يُسْقَى ويُسْتَقَى
إذا غَضِبُوا خِلْتَ السّماءَ عَدُوَّةً
وإنْ تُرْضِهِمْ فَلْيَهْنِكَ البَحْرُ مٌغْدِقا
أولئكَ قوْمِي ، فلْيَجْئْني بِمِثْلِهِمْ
أُولُو الفخْرِ في الأقْوَامِ لَوْ ثَمَّ مُلْتَقى
وإنّي وإنْ أفْخَرْ بِهِمْ غيرُ واصِفٍ
لَيُعْيِي جريرًا وَصْفُهُمْ والفَرَزدَقا
وما أنَا مِمَّنْ يُطْرِبُ الفخرُ نفسَهُ
ولكنَّهُ مَنْ أُوتِيَ الجَوَّ حَلَّقا
وحَسْبُكَ أنّا أَوَّلُ النّاسِ دَولَةً
ولَوْ لَمْ نُكُنْ ما كانَ مَجْدٌ لِيُخْلَقا
عَلَوْنا فلَمْ نَقْهَر ، وسُدْنا فلَمْ نَضِمْ
وشَرُّ الخِلالِ الحِلْمُ إنْ غَرَّ أحمَقا
ألَا لا يَرُومنَّ الكَرَى قاصِدٌ لنا
بِشَرٍّ إلى أن يَقْصِدَ الموتَ مُشفِقا
فليس بمُنْجٍ مَنْ نُعاديهِ مَعْقِلٌ
مِنَ الأرضِ أوْ لوْ بالسماءِ تَعَلَّقا
لَعَمْرُكَ ما كُنّا لِغَزْوٍ بمَعْشَرٍ
ولكنْ إذا ضِيِمَ الكريمُ تَحَرَّقا
ألَمْ ترَ أنّا نَصْدُقُ الناسَ سِلْمَنا
فإمّا نُريدَنَّ الوَغى نَكُ أصدَقا ؟
إذا نبتغِي قومًا تَسِيلُ رِياقُنا
فما نفتحُ الأفواهَ إلّا لِنَبْصُقا
وإنّا لبُكْمٌ إنْ نَفَرْنا ، كَفَيْنَنا
صَوارِمُ صُمٌّ لا يُراجَعْنَ في اللِّقا
ولمّا رَأَيْنا القومَ أَسْرَى لِشَرَّهِمْ
مَنَنّا عَلَى شَرٍّ أسيرٍ فأُطْلِقا
وقد أُنْذِرَ الهَلْكَى غَداةَ تألَّبُوا
عَلَى الغَدْرِ أنّا قد عَهِدْناهُ مُخْفِقا
ألَمَّا يَعِظْكُمْ صُنْعُنا في جُدودِكُمْ ؟
لَئِنْ بَعُدَتْ أيامُهُ ، فَهْوَ ذُو رُقَى
ألا رُبَّ يومٍ قَدْ حَيِيناهُ واحِدًا
وأعداؤُنا عاشُوهُ قَرْنًا مِنَ الشَّقا
وأصحابِ نارٍ فَاخَرُونا بِحَرِّها
سَقَيْناهُمُوها ألْفَ ضِعْفٍ تَصَدُّقا
وما أنْصَفُونا إذْ أرادُوا جِلادَنا
وهل بِجلادٍ أنْ تَكُرَّ فَتَزْهَقا
وإنَّ فتىً مِنّا خفيفاً سِلاحُهُ
لَيَعْدِلُ مِنْهمْ في الكريهةِ فَيْلَقا
فكيفَ وإنّا لَلْبِحارُ جُموعُنا
وأَسْبَقُنا مَنْ كانَ في الحرْبِ أَسبَقا
ونحنُ بَنُو أعتَى المُلوكِ تُحتمسٍ
وَرَمْسِيسَ والأعْلَوْنَ في كُلِّ مُرْتَقى
سواءٌ لدينا في المَكارمِ والعُلا
نُفَرِّقُ جَمْعًا أو نَلُمُّ مُفَرَّقا
ونَحْنُ الأُلَى إنْ أغلقُوا ما لِفاتِحٍ
سبيلٌ ، وَفَتّاحُونَ ما كانَ مُغْلَقا
وإنَّا لَنحنُ القاصِمُونَ مَنِ اعتدَى
وإنّا لَنَحْنُ العاصِمُونَ مَنِ اتَّقَى
وإنّا لَطَرّاقونَ في كُلِّ ساعَةٍ
لِبابِ العُلا نُهدِي الهَوَى والتَّشَوُّقا
وفي مالِنا يَقضي هَوَانَا هَوَانَهُ
وهَلْ تُجْمَعُ الأمْوالُ إلّا لتُنْفَقا
فَنُشْرِكُ فيها مَنْ نشاءُ لِيَغْتَنِي
ونُشْرِكُ فيها مَنْ نشاءُ لِيُمْحَقا
وإنّا لَنُسقِي الخيرَ فضلًا ومنّةً
ومن يبغِهِ غَصْبًا يُحَرَّمْ علَى السِّقا
لَعَمرُكَ ما في رِزْقِ ذي البأسِ مَطْمَعٌ
ومَنْ أُمِنَتْ كَفَّاهُ ذُلَّ لِيُرْزَقا
وجيشٍ يُنِيلُ الشمسَ لو سارَ غادِيًا
غُروبًا ، ولَوْ سَرَى بليلٍ لَأَشْرَقا
ودولةِ بغيٍ أعجبَتْها حصونُها
أغارَ عليها كالعُقابِ فأطبَقا
فإنْ زَالَ عَنْ وادٍ بِها ظُنَّ تَلَّةً
وإنْ قامَ عَنْ حِصْنٍ لَها ظُنَّ خَنْدَقا
وأرضٍ لنا باتتْ قبورًا لغيرِنا
وَفَجٍّ بِها أمسَى مِنَ اللَّحْدِ أضَيَقا
وطيرٍ بها لم يَعْرِفِ الصّيْدَ بادِنٍ
ولَمْ يُرَ إلّا مُغْرِزًا أو مُمَزِّقا
وما مِصْرُ إلا جَنّةٌ وجهنمٌ
فيا تَعْسَ مَنْ رامَ النعيمَ فأُحْرِقا
أيا سائِسَ الدُّنيا ورأسَ دُهاتِها
بوعدِكَ شَكَّ القَومُ حتَّى تَحقَّقا
وكُنّا أَبَيْتَ اللّعنَ نَسمَعُ ناعِقًا
على كُلّ وادٍ بالأراجِيفِ مُرْهِقا
وقد كُنْتَ بسّامًا لِكُلِّ بَلِيَّةٍ
تَلُوحُ كأنّ النصرَ أعطاكَ مَوْثِقا
وحُورِبْتَ تكذيبًا وسيفُكَ صامِتٌ
فما هُوَ إلّا أنْ أشارَ فصُدِّقا
يظُنُّونَ بالسيفِ انتصرْتَ وإنّما
بكَ انتصرَ السيفُ المُهنَّدُ وارتقَى
وما كلُّ حَمَّالٍ لِسَيفٍ بضارِبٍ
ولا كُلُّ ذِي ضَرْبٍ على الهَامِ فَلَّقا
فيا مصرُ دامَ العِزُّ منكِ سَجِيَّةً
ودُمتِ لأهلِ الحقِّ دِرعًا ومُتَّقَى
لِيَهْنِكِ ما وافَيْتِ من سالفِ المُنى
وما هوُ باقٍ ، فهْوَ آتيكِ مُطْرِقا