لمن القريضُ صَغَتْ إليه الهامُ
وأحاطه الإعجاب والإعظامُ
لم أدْرِ حين بدت طلائعُ آيِهِ
فكرٌ يجود بهنّ أم إلهام
سارت مواكب نظمه وكأنها
جيشٌ من الدرِّ اليتيم لُهام
يتألق الإبداع فيه وفوقه
من هَدْي أعلامِ الهدى أعلام
لا تلمحُ الأحلام سرَّ بيانه
حتى تفيءَ برشدها الأحلام
رقَّت حواشيه فهنَّ مناهلٌ
ورست قوافيه فهنَّ إكام
وافترَّ عن حُرِّ المعاني مثلما
تفترُّ عن أزهارها الأكمام
تُمليه من عبدالحميد قريحةٌ
عَزَّتْ مناهجُها فليس تُرام
فيّاضةً بجوامع الكَلِمِ التي
يبقى لهنَّ على الدوام دوام
دانت أساليبُ البيان لربّها
وأطاعهُ الإبداع والإحكام
وأقام في «الفيحاء» صرح بلاغةٍ
تعشو لضوء مناره الأقوام
سامٍ يجدِّد للعروبة سؤددًا
يُزهى به جَدُّ العروبة سام
يهدي المشارقَ ضوءه بروائعٍ
شُغفت بها الأسماع والأفهام
من كل شاردةٍ كأن بديعها
قطعُ الرياض يجودهنَّ غمام
جوّابةُ الآفاق يرقب نجمها
في كل أفقٍ أشرقت ويُرام
كملت محاسن نظمها وسما بها
طبعٌ عليه وضاءةٌ ووِسام
والشعر هندامٌ وطبعٌ مشرقٌ
والبعضُ لا طبعٌ ولا هندام
لك في مجال الفضل يا ابنَ زعيمه
سَبْقٌ وفي أوج العلا استعصام
جَدَّدْتَ من عهد القريض محاسنًا
ذهبت بها الأعصار والأعوام
ألقى عليه شعاع فكرك رونقًا
للسحر في جَنَباته إلمام
وكسوتَه من صفوِ طبعك حُلَّةً
أضحى بها في الناس وهو غلام
فلبستَه ثوبًا قشيبًا مُونقًا
والشّعرُ فوق جُمانِهِ أهدام
وجلوتَ منه منهلاً مستعذبًا
يغشاه من فَطِنِ العقول زحام
شعرٌ عليه من الجديد ملاحةٌ
ومن البراعة والنبوغ وسام
نسقان، منه عِبْرةٌ وهدايةٌ
مُثلى ومنه صبابةٌ وغرام
لولا احتشامٌ فيه صان رُواتَهُ
إذ أنشدوه وسامعيه لهاموا
هو في النفوس كواكبٌ مشبوبةٌ
تهدي النفوس وفي الرؤوس مدام
غزلٌ كمعتلِّ النسيم وحكمةٌ
صحَّتْ بها لأولي النهى أحكام
وقلائدٌ للمدح لو هي قُلِّدت
للبدر تاه البدر وهو تمام
ولكَم له آياتُ وصفٍ وحيُها
جهرٌ ولمحُ بيانها إعلام
يجلو الحقيقةَ ربُّها وضّاحةً
لا الشكّ يعروها ولا الإبهام
لتكادُ إذ يصف المعاني أن تُرى
للعين أو يبدو لهنَّ قوام
وتكاد لا تدريه هل هو شاعرُ
بلغ المدى في الوصف أم رسّام
لا بِدْعَ إن سبق الرجالَ فإنه
كسّاب كل فضيلةٍ غنّام
صاغت يدُ الخلاّق جوهر نفسه
وأجاد صقل طباعه الإسلام
فبدا وفيه مناقبٌ علويةٌ
وله من الخلق العظيم ذِمام
وغدا وفي بُرديه نفسٌ برَّةٌ
تنبو عن الأسواء حين تُسام
تخفى لفرط صفائها فإذا انجلت
للناس فهي محاسنٌ ونظام
طُبعت على الأدب الرفيع فما لها
فيما سوى الحسن البديع مَرام
فالكون شعرٌ عندها وضروبه
أحداثه ولُغى الورى أنغام
والأرض نادٍ والزّمان قصيدةٌ
أبياتها الآناء والأيام
والنجم نورٌ والظلام خمائلٌ
والصبحُ وجه مليحةٍ بَسّام
والأفق بهوٌ والبروج هياكلٌ
هي للشموس منازلٌ وخيام
والنور لوحٌ فيه من صور الورى
نقشٌ ومن أعدادهم أرقام
والضوءُ ما بين العوالم صبغةٌ
كُسِيَتْ به ألوانَها الأجسام
والكائنات جواهرٌ منشورةٌ
نُظمت بها الأشكال والأقسام