جَادَتْ بِكَ الرُّوحُ لَمَّا صِرتَ لِي سَلَمَا
وَأَطْلَقَ الوَجْدُ فِي آفَاقِنَا الدِّيَمَا
لَيْلٌ كَأَنَّ سَنَا عَيْنَيْكَ مَشْرِقُهُ
مَحَا السَّوَادَ وَبَثَّ النُّورَ وَالكَرَمَا
أَتَيْتَ نَبْضِي كَمِثْلِ الغَيْثِ مُنْسَكِبًا
فَأَوْرَقَ القَلْبُ حَتَّى بَارَكَ الهِمَمَا
يَا رَامِيَ اللَّحْظِ هَلْ تَدْرِي بِمَا فَعَلَتْ
سِهَامُ حُسْنِكَ حِيْنَ اسْتَنْطَقَتْ بَكَمَا؟
صَادَتْ عُيُونِي بِمَا خَطَّتْ بَنَانُكَ مِنْ
سِحْرِ البَيَانِ، فَصَارَ الصَّمْتُ مُحْتَدَمَا
عَقْرَبُ سَاعَتِيَ العَجْلَى قَدِ انْخَطَفَتْ
كَأَنَّ دَهْرِي بِيَوْمِ الوَصْلِ قَدْ فَطَمَا
تِلْكَ الحُرُوفُ الَّتِي بِالبَابِ نَقْشُهَا
غَدَتْ ضِيَاءً يُضِيءُ الرُّوحَ وَالقَلَمَا
رَأَيْتُ فِيكَ مَلَاكًا صَاغَهُ بَرِيءٌ
دُرِّيَّ ثَغْرٍ، لَهُ بَدْرُ السَّمَا خَدَمَا
وَمِنْ نَدَى رِيقِكَ المَنْثُورِ مَلْحَمَةٌ
تَسْقِي الظَّمَاءَ وَتَمْحُو عَنِّيَ الأَلَمَا
خَطَّتْ يَمِينُكَ سَطْرًا زَانَ مَمْلَكَتِي
فَصَارَ عِنْدِي بِحُكْمِ الحُبِّ مُقْتَسَمَا
مَا كُنْتُ أَعْرِفُ قَبْلَ اليَوْمِ أَنَّ هَوًى
يُحِيلُ هَذَا الخَلاءَ المُرَّ مُغْتَنَمَا
أَسْكَنْتُ طَيْفَكَ فِي عَيْنِي وَفِي بَصَرِي
فَأَنْتَ "أَحْمَى" حِمًى فِي القَلْبِ قَدْ رُسِمَا
يَا سَيِّدَ الشَّوْقِ إِنَّ الرُّوحَ ظَامِئَةٌ
زِدْنِي حَدِيثًا، فَمَا غَيْرُ الرُّضَابِ نَمَا
أَمْسَيْتُ أَرْقَى مَقَامَ الوَجْدِ فِي ثِقَةٍ
أَنَّ الَّذِي رَاحَ يَشْكُو الحُزْنَ قَدْ طَعِمَا
مَا نِلْتُ مِنْ خَمْرَةِ العَنْدَمِ مَشْرَبَهُ
إِلَّا وَخِلْتُ المُعَنَّى قَدْ نَجَا وَسَمَا
أَنْتَ المُرَادُ الَّذِي ضَاقَتْ بِهِ لُغَتِي
وَأَنْتَ فَجْرٌ جَلَا عَنْ لَيْلِيَ العَتَمَا
إِذَا نَظَرْتَ فَقَلْبِي بَاتَ يَعْرِفُهُ
أَنَّ القَضَاءَ بِرُوحِي نَحْوَكَ احْتَكَمَا
تَمَّ الوِصَالُ بِإِذْنِ اللهِ، وَانْطَفَأَتْ
نَارُ انْتِظَارٍ، وَصَارَ الحُلْمُ مُبْتَسَمَا