أنتَ يا هذا…
أيُّها الماشي
فوقَ أرصفةِ الأوهام
كأنك وريثُها الشرعي،
وحارسُ مفاتيحها القديمة.
أراك
تحملُ حلمًا
أكبرَ من حاضرك
وأصغرَ من حكمتك.
تمشي به
كما يمشي طفلٌ
ببدلةِ أبيه الواسعة،
يتعثرُ بالأكمام
ويظنُّ أنه صارَ رجلًا.
أنتَ يا هذا…
ما الذي تفعلُ
في هذا العمر
بمطرٍ من الأمنيات
كان ينبغي
أن يهطلَ
قبل أعوامٍ كثيرة؟
أيُّ حكمةٍ هذه
التي تنضجُ في الرأس،
بينما القلب
ما يزالُ يلعبُ
بكراتِ الضوء؟
تتحدثُ عن الغد
كما لو كان صديقًا
ينتظرُك عند الزاوية،
وتكتبُ على الهواء
خططًا عظيمة،
كأنك مهندسُ القدر.
لكن القدر —
يا صديقي —
ليس ورقةً بيضاء،
بل صخرةٌ
لا تُنقَشُ
بأقلام الأحلام.
أراك
تلوّحُ للمستقبل
كبحّارٍ
يحيّي جزيرةً بعيدة،
بينما مركبُك
مربوطٌ
بحبال الأمس.
أنتَ يا هذا…
لم تخدعِ الناس.
الناس
أذكى
من أن يُصدّقوا الحلم،
وألطف
من أن يكسروه.
لذلك
يهزون رؤوسهم لك،
ويقولون:
ما أجمل أحلامك.
ثم يمضون
إلى حياتهم الواقعية
كما يمضي النهار
إلى الليل
دون أن يلتفت.
وأنت
تبقى هنا.
واقفًا
على رصيف الأماني،
تلوّح
لقطارٍ
لا يعرفُ
هذا الطريق.
يا لك من شاعرٍ
يكتبُ الغد
بحبرِ الأمس.
ويا لك من رجل
تأخر كثيرًا
عن موعدِ الفصول.
العمر — يا هذا —
ليس رقمًا
في دفتر السنين.
العمر
مرآةٌ طويلة
تفضحُ
توقيتَ الأحلام.
وفي مرآتك
يقف رجلٌ
تعبتْ كتفاه
من حمل الأيام،
لكن قلبه
ما يزالُ يركض
خلف طائرةٍ ورقية.
أيُّ مفارقةٍ هذه؟
الرأس
امتلأ بالحكمة،
والحلم
ما يزالُ يرتدي
حذاءَ الصغار.
كلما تقدمتَ عامًا
تراجعتَ
خطوتين
إلى طفولةٍ
لم تعشها.
كأنك تحاول
أن تعتذر للزمن
بطريقةٍ طريفة.
أو
أن تعيدَ كتابة الشباب
على صفحةٍ
تجاعيدُها
أكثرُ من الحروف.
أنتَ يا هذا…
تشبهُ ممثلًا
دخلَ المسرح
بعد انتهاء الفصل.
لكنّه
بدأ أداء دوره
بكلِّ الحماس.
والجمهور
بين الدهشة
والشفقة
يصفّق قليلًا
ثم يغادر.
أما أنت
فتواصلُ الأداء.
لأنك — ببساطة —
لم تسمع
صوت الستارة.
العالم
مليءٌ بأمثالك.
رجالٌ
تأخروا عن قطار الحلم،
فأعلنوا
أن القطار
لم يصل بعد.
ورجالٌ
أضاعوا الطريق
سنواتٍ طويلة،
ثم قالوا فجأة:
هنا
ستبدأ الرحلة.
يا لك
من مغامرٍ شجاع…
تحاربُ الزمن
بسيفٍ
من الأمنيات.
وتفتحُ أبواب المستقبل
بمفتاحٍ
صنعته الذاكرة.
لكن لا بأس.
فالعالم الواقعي
ثقيلٌ
كصخرةٍ على صدر النهار.
وأحلامك
— رغم سذاجتها —
تتركُ
شقًّا صغيرًا
يدخلُ منه الضوء.
ربما
كنتَ مهرّجَ الحكمة،
أو حكيمَ الكوميديا.
ربما
أنت الرجل
الذي جاء متأخرًا
إلى الحياة…
لكنه قرر
أن يحلم
بكلِّ ما تبقّى
من قلبه.
أنتَ يا هذا…
رجلٌ
يعيش حلمًا
لا يليق بعمره.
لكن
من يدري؟
ربما
العمرُ
هو الذي لا يليق
بالحلم.