ما الشيبُ في رأسي
إلا ريحًا
أقامت طويلًا
على صخرةِ اسمي.
ما هو خريفٌ مبكّر،
ولا رايةُ استسلام،
بل غبارُ مسافاتٍ
مشيتُها وحدي
وكان الطريقُ
يمشي فيَّ.
لستُ كبيرًا
كما تظنّ المرايا،
في صدري
فتىً
ما زال يُجادلُ النجوم،
ويكتبُ أسماءه
على هوامشِ الغيم.
غير أن الزمن
لا يعدُّ أعمارنا بالسنين،
بل بعددِ ما انكسرَ في القلب
ثم نهض،
بعددِ ما سقطَ من يقينٍ
وتحوّلَ سؤالًا،
بعددِ الليالي
التي جلسنا فيها
قبالةَ أنفسِنا
دون شهود.
الشيبُ
ملحُ التجربة،
تسرّبَ من الجراحِ
إلى الرأس،
ليقول:
لقد عبرتُ النار
وما احترقت.
كلُّ شعرةٍ بيضاء
وثيقةُ نجاة،
لا من عمرٍ
إلى عمر،
بل من سذاجةٍ
إلى بصيرة،
ومن اندفاعٍ أعمى
إلى حكمةٍ
تمشي على مهل.
التجاعيدُ
ليست هزيمةَ جلد،
بل خرائطُ نجاة،
خطوطٌ حفرها الزمن
كي لا أضيع،
كي أعرفَ
أين انحنيتُ،
وأين قاومت،
وأين تعلّمتُ
أن اللينَ
أقسى من الصلابة.
أنا
عتيقُ التجربة،
حديثُ الروح.
حملتُ من الخيبات
ما يكفي
لأعرفَ أن الظهرَ
لا ينحني
إلا ليزدادَ صلابة.
وتعثّرتُ
كي أفهم
أن الطريق
ليس مستقيمًا
كما في الخرائط،
بل متعرّجٌ
كنبضِ قلب،
كلما هدأ
استعدَّ للعاصفة.
الزمنُ
لم يُهرّئني،
بل صقلني،
أزالَ عني زوائدَ الوهم،
وتركَ جوهرًا
أقلَّ ادعاءً
وأشدَّ وضوحًا.
أنتم
تقرؤون البياضَ
عمرًا،
وأنا أقرؤه
ضوءًا.
تسرّبَ من شقوقِ التجربة
ليُنيرَ عتمتي،
ليقول لي:
لم تكبر،
إنما تعلّمت.
تعلّمتُ
أن البطءَ نضج،
وأن التأخّرَ
ليس خسارة،
بل إعدادٌ سريّ
لميلادٍ أعمق.
تعلّمتُ
أن الأحلامَ
إذا انكسرت،
عادتْ
أصلب.
وأن القلب
إذا نجا من العاصفة،
لا يخافُ المطر.
الشيبُ
في ظاهره
انطفاءُ لون،
وفي باطنه
اشتعالُ معرفة.
هو انتقالُ النار
من ظاهر الجسد
إلى عمق الروح،
من حماسةٍ تصرخ
إلى حكمةٍ تهمس،
من رغبةٍ في الوصول
إلى فهمٍ
بأن الطريق
هو المعنى.
فلا تسألوني عن عمري،
اسألوني
عن الأسئلة
التي ربّتني،
عن الأحلام
التي سقطت
ثم نبتتْ
بجذورٍ أعمق،
عن الليالي
التي خرجتُ منها
أقلَّ غرورًا
وأكثرَ إنسانًا.
نحنُ
لسنا أعمارًا تمشي،
بل صخورًا
تُعيدُ الريحُ
صياغتها.
لا تقتلنا
عواملُ التعرية،
بل تمنحُنا
شكلَنا الأخير،
وتتركُ على رؤوسِنا
بياضًا
يشبهُ السلام.