ذاك الفتى رتَّبت أحلامه سفرَهْ
منذ الصبا رسمت من وهمه قدرَهْ
حاكت خيوط الليالي في تعاقبها
بساط درب الأماني فاقتفى أثره
فراح يمخر بحر الشوق في لجج
ولا يبالي إذا سلطانه قهره
قد كان يسلك نهج العاشقين فهل
تلك الرؤى بعد صفو شوشت بصره
أم كان يأنس للأمواج في حذر
فصادر الموج في طغيانه حذره
فراح يقتحم الأشواق وهي على
جمر الغضا أملا أذكى به شرره
لو كان يصغي إلى النفس التي ولهت
زار الحبيب الذي يجفو ولو هجره
أو كان يذكر ما بالأمس من علل
أثنى على الدهر لا يشكوه إن غدره
ترجو المنى نفسه حتى إذا يئست
ألقى بعرض المحيط المستوي حجره
وظل ينشد في دنياه مكرمة
تزكي القريض الذي من شعره نشره
ولت وولى من الأيام ما عشقت
فيه الليالي التي ما هادنت سمره
لم يبق من مؤنس إلاَّ عقود هوى
من أجمل الشعر يستهوي بها نظره
كي ينجب الروض من بعد استقالته
وردا وقافية مستعرضا درره
كانت وكان الزمان الخصب منفتحا
يلقي بزهو مواضي ليلها سُرره
والآن صار سجين القحط لا سحب
في الأفق أو نسمة تجزي به مطره
فريشة الشعر قد جفت سواحلها
زجر تولى وقد غطى المسا حفره
قضى الزمان وعاد الآن يذكره
فهل يعيدُ إليه الروحَ إن ذكره