تَسَلَّلْتِ فِي دَمِي كَصَوْتٍ مُهَذَّبٍ
فَأَوْقَدْتِ فِي أَعْمَاقِ صَمْتِي سُرُورُ
وَلَمَّا بَدَوْتِ اسْتَسْلَمَ الطَّرْفُ خَاشِعًا
وَأَخْفَتَ جَلَالَ الحُسْنِ فِيهِ الدُّهُورُ
تَمُرِّينَ وَالأَيَّامُ تَنْحَنِي النُّهَى
وَيَخْفُتُ عِنْدَ الطَّلْعَةِ البَدْرُ نُورُ
كَأَنَّكِ مِنْ طُهْرِ السَّمَاوَاتِ آيَةٌ
يُسَبِّحُ فِي مَعْنَاهَا السَّنَا وَالحُبُورُ
إِذَا ابْتَسَمَتْ ذَابَتْ جِبَالُ تَجَلٍّ
وَأَخْضَرَّ مِنْ نَبْضِ المَحَاجِرِ زَهْرُ
وَإِنْ غِبْتِ عَادَ اللَّيْلُ أَكْثَفَ حِدَّةً
وَضَاقَتْ عَلَى صَدْرِ الزَّمَانِ الصُّدُورُ
أُحِبُّكِ حُبًّا لَيْسَ يَحْكِي مَزَايَا
وَلَكِنْ يَصُوغُ الرُّوحَ حَيْثُ تَصِيرُ
فَفِيكِ مَعَانٍ لَا تُقَالُ، وَلَكِنْ
يُحِسُّ بِهَا مَنْ فِي الهَوَى يَسْتَدِيرُ
وَمَا الحُسْنُ إِلَّا مَا اسْتَقَامَتْ سَرَائِرٌ
فَصَارَ نَقَاءُ القَلْبِ فِيهِ يَسِيرُ
وَلَسْتُ أَرَى فِي الوُدِّ لَهْوًا وَعَابِثًا
وَلَكِنْ مَقَامًا لِلتَّقِيِّ جَلِيلُ
إِذَا مَا دَنَوْتِ ارْتَجَّ صَدْرِي تَأَدُّبًا
كَأَنَّ مَقَامَ النُّورِ فِيهِ حَظِيرُ
وَيُصْغِي إِلَى نَبْضِي السُّكُونُ مُهَذَّبًا
وَيَخْضَعُ فِي أَعْمَاقِهِ التَّفْكِيرُ
وَيَمْضِي بِقَلْبِي ذِكْرُكِ الحَيُّ صَافِيًا
كَأَنَّ عَلَى الأَيَّامِ مِنْهُ أُجُورُ
أَرَى فِيكِ طُهْرًا لَا يُشَابُ بِرِيبَةٍ
كَبَدْرٍ عَلَى أَفْلَاكِهِ يَسْتَدِيرُ
وَمَا كُنْتُ أَهْوَى مَنْزِلَ الوُدِّ لَهْوَةً
وَلَكِنْ عُهُودًا لِلضَّمَائِرِ تَغُورُ
فَفِي الصِّدْقِ يَبْقَى الحُبُّ أَسْمَى مَنْزِلًا
وَفِي الزُّورِ يَفْنَى عِزُّهُ وَيَضِيرُ
أُحَدِّثُ لَيْلِي عَنْكِ حَتَّى كَأَنَّهُ
يُصَغِّرُ فِي عَيْنِ السُّهَادِ الدُّهُورُ
فَيَرْجِعُ لِي صَوْتُ الحَنِينِ مُرَدَّدًا
كَأَنَّ بِهِ فِي الصَّدْرِ نَبْعًا يَفُورُ
تَرَى الرُّوحُ فِيكِ السِّلْمَ حَتَّى كَأَنَّهَا
إِذَا مَسَّهَا نُورُ الحَيَاءِ تَطُورُ
وَيَكْبُرُ فِي نَفْسِي الخُشُوعُ إِذَا دَنَا
حَدِيثُكِ، فِي صَمْتِ الجَمَالِ دُهُورُ
فَلَا أَنْتِ مِمَّنْ يُسْتَخَفُّ بِوُدِّهِ
وَلَا أَنَا مِمَّنْ يَسْتَبِيحُ غُرُورُ
وَلَكِنْ لَنَا عَهْدٌ مِنَ الطُّهْرِ مُحْكَمٌ
إِذَا مَالَتِ الدُّنْيَا بِهِ يَسْتَدِيرُ
سَأَبْقَى عَلَى ذِكْرِ الوِدَادِ مُرَتِّلًا
إِلَى أَنْ يُجِيبَ الصَّبْرَ فِينَا القَدُورُ
وَإِنْ نَاءَتِ الأَيَّامُ بَيْنِي وَبَيْنَكِمْ
فَفِي القَلْبِ مِنْ ذِكْرَاكِ مَا لَا يَغُورُ
فَيَا نُورَ رُوحِي إِنْ تَبَاعَدَ وَصْلُنَا
فَفِي الصَّدْرِ مِنْكِ السِّرُّ لَا يَتَغَيَّرُ
وَيَا غَايَةَ القَلْبِ الَّذِي ذَابَ خَاشِعًا
يُرَتِّلُ فِي مِحْرَابِ حُبِّكِ مَسِيرُ
فَإِنْ سُئِلَتْ رُوحِي بِمَاذَا تَشَرَّفَتْ
أَجَابَتْ: بِحُبٍّ صَادِقٍ لَا يَزُورُ