على حافةِ الضوء
كان الصباحُ يتعلّمُ الوقوفَ
بعد ليلٍ طويل
تعثّرَ فيهِ الوقتُ
وسقطتْ من يدهِ
أسماءُ الأشياء
المدينةُ
كانت تُعيدُ ترتيبَ ظلّها
كلما مرّتْ نسمةٌ
تذكّرتْ أنها ليستْ كما تبدو
وأنّ في الزوايا
أسرارًا لا تُقال
في النافذةِ
كان الهواءُ يتصرّفُ كرسّامٍ متردّد
يرسمُ ولا يُكمل
يمحو ثم يبتسم
كأنهُ يعرفُ ما لا نعرف
وهناك...
في الجهةِ التي لا تُسمّى
كان الصمتُ
أكثرَ من صمت
كان ذاكرةً
تتدرّبُ على النسيان
ولا تنجح
كلُّ الأشياءِ
كانت تمشي على أطرافِ احتمالها
حتى الخطواتُ
بدتْ كأنها تفكّرُ قبل أن تُغادرَ الأرض
وكأن الأرضَ
ليست متأكدةً
هل تريدُ أن تُمسك بها أم تتركها
في المدى البعيد
كان هناك حضورٌ
لا يشبهُ الحضور
شيءٌ
يُعيدُ تعريفَ الاتساع
ويجعلُ الفراغَ
أكثرَ امتلاءً من الامتلاء
ليس ضوءًا
ولا ظلًا
بل ما بينهما
حين يتوقفانِ عن الخصام
الأشياءُ القريبة
بدأتْ تفقدُ يقينها
الكوبُ نسيَ شكله
والمرآةُ صارتْ
تتأملُ من يعبرُ داخلها
لا من يقفُ أمامها
والزمنُ
لم يعد يمشي
بل يتردّد
كمن يسمعُ نداءً لا يفهمه
لكنهُ يعرفُ أنه يعنيه
في كلِّ هذا الاضطراب الهادئ
كان هناك ما يشبهُ التفسير
لا يُقال
لكنّه يُشعَر
كأن العالمَ
ينحني قليلًا
ليفسحَ مكانًا
لشيءٍ قادم
لا يشبهُ ما قبله
حتى اللغةُ
بدأتْ تتعبُ من شرح نفسها
وصارتْ تكتفي
بالإشارة
كأنها تقول:
هناك ما لا يُقال
لكنّه يُقيمُ في الجملة
ويغيّرُ معناها من الداخل
وفي المسافةِ بين فكرةٍ وأخرى
كان شيءٌ دافئ
يمرّ دون اسم
دون تعريف
دون ضجيج
شيءٌ
يجعلُ الصباحَ أقلَّ وحدة
ويجعلُ القلبَ
أكثرَ انتباهًا لنفسه
دون أن يعرفَ لماذا
هكذا...
يمشي المعنى
مُخفياً وجهه
لكنّه يتركُ أثره
في كلِّ ما يلمسه
كأن العالمَ
لم يعد كما كان
وكأن شيئًا خفيًا
أعاد تشكيله
من الداخل