حِينَ رَحَلْتِ يا أُمِّي،
وَقَفْتُ فَوْقَ النَّعْشِ، وَالدَّمْعُ يَأْكُلُ عُيُونِي.
وَشَعَرْتُ أَنَّنِي صِرْتُ كَجِذْعِ شَجَرَةٍ،
احْتَرَقَ وَبَاتَ أَسْوَدَ يَلْهَثُ دُخَانًا أَبْيَضَ.
لَمْ يَكُنْ قَلْبِي يَطْرُقُ،
بَلْ كَانَ الْكَوْنُ حَوْلِي يَضْرِبُنِي،
وَالزَّمَنُ يَعُوِي،
وَذِئَابُ الْقَوْمِ يَلْطِمُونَ عَلَى ظَهْرِي، وَصُدُورُهُمْ بَارِدَةٌ.
كَانَتِ الرِّيَاحُ تَقْطَعُنِي، وَالشَّمْسُ تُسَلِّخُنِي.
وَحِينَ مَشَى النَّعْشُ أَمَامِي،
تَرَبَّصَتْ قَدَمَايَ بِالْأَرْضِ، وَتَذَكَّرْتُ حِينَ قُلْتِ:
"عِنْدَمَا أَمُوتُ، لا تَبْكِي يا وَلَدِي. "
وَأَنَا يا أُمِّي، لَسْتُ أَبْكِي، بَلْ أَجْمَعُ شَتَاتِي،
وَأُلْمِمُ بَقَايَا رُوحِي لِأَهْرَعَ خَلْفَكِ، وَأَقُولَ:
"مَهْلِكِ... دَعِينِي أَضُمُّكِ لِآخِرِ مَرَّةٍ، وَأَقْتَاتُ ذَاتِي. "
هُنَا، تَاهَتْ بَصِيرَتِي، وَتَلَاشَى إِيمَانِي،
وَلَمْ أَتَمَالَكْ رِبَاطَ جَأْشِي،
فَرَكَعْتُ عَلَى رُكْبَتَيَّ، وَالخُطُوَاتُ بَيْنَنَا يَأْكُلُهَا الْفَرَاغُ.
وَنَزَلْتِ فِي اللَّحْدِ... كَمْ غَرِقْتُ فِي بَحْرِ الظُّلُمَاتِ، وَاخْتَفَيْتِ...
وَشَعَرْتُ كَأَنّنِي عَجُوزٌ هَرِمٌ، يَعْجِزُ أَنْ يَلُمَّ نَفْسَهُ لِيَقِفَ مُجَدَّدًا.
تَرَهَّلَتْ جُفُونِي، وَحَمَلَتْنِي نَجِيعَتِي عَبْرَ الزَّمَنِ،
إِلَى آنٍ كُنْتُ فِيهِ طِفْلًا، أَتَشَبَّثُ بِيَدِكِ وَنَمْضِي سَوِيًّا،
وَكُنْتِ تَقُولِينَ: "لا تَتْرُكْ يَدِي يا بُنَيّ. "
فَلِمَاذَا تَرَكْتِنِي الآنَ، يا مَهْجَةَ قَلْبِي؟
رَحَلْتِ... وَبَقِيتُ أَنَا فِي ضَوْءِ السِّنِينِ،
كُلُّ بَرْهَةٍ تَمُرُّ كَأَنَّهَا أَعْوَامٌ طِوَالٌ.
لَمْ يَغِبْ عَنْ بَالِي طَيْفُكِ، وَلَا بَارَحَتْنِي صُورَةُ مُحَيَّاكِ،
صَدَا صَوْتِكِ مَا زَالَ يَهْمِسُ فِي سَرِيرَتِي،
تُعَانِقُنِي أَحْلَامِي، فَتُسَافِرُ بِي بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ،
أَلْقَاكِ بَيْنَ شَكٍّ وَيَقِينٍ،
وَأَكْتَفِي بِعِنَاقٍ لَا يَعْرِفُ لُغَةَ الْجَسَدِ،
بَلْ يَرْتَوِي بِرَعْشَةِ الْأَرْوَاحِ...
وَأَعُودُ، وَفِي مُهْجَتِي أَلَمٌ... وَأَمَلٌ.