تخطَّ إلى المحتوى

غير معروف

٤٤ بيت

المتفرقات

رَحَلْتَ يَا أَبِي...

وَانْفَتَحَ فِي البَيْتِ بَابُ الرِّيحِ،

وَبَقِينَا عَلَى عَتَبِ العَدَمِ

نَتَعَلَّمُ كَيْفَ يَسِيرُ الفَرَاغُ بِأَجْسَادِنَا.

البَيْتُ بَعْدَكَ لَا يَسْكُنُهُ أَحَد،

البَيْتُ صَوْتُكَ إِذَا تَأَخَّرَ فِي المَكَان،

وَظِلُّكَ إِذَا نَسِيَ أَنْ يَعُودَ.

كُنْتَ تَجْمَعُ فَوْضَانَا بِنَظْرَةٍ وَاحِدَة،

فَصِرْنَا بَعْدَكَ نَتَفَرَّقُ فِي صَوْتِنَا،

وَنَمْشِي عَلَى أَرْضٍ لَا تَعْرِفُ أَصْحَابَهَا،

وَنَسْأَلُ المَقَابِرَ سُؤَالَ المُنْهَارِ:

أَيْنَ يَسَعُ الإِنْسَانُ إِذَا ضَاقَتْ بِهِ الحُفَرُ؟

يَا طِينَ البِدَايَةِ وَمَلْمَحَ الوَجْهِ الأَوَّل،

الزَّمَنُ بَعْدَكَ لَمْ يَعُدْ زَمَنًا،

إِنَّهُ شَيْءٌ يَمْضَغُ أَطْرَافَنَا بِلَا صَوْت،

وَيَتَسَلَّلُ مِنْ بَيْنِ سَاعَاتِنَا كَالزُّجَاجِ المَكْسُور.

أَنْحَتُ مِنْ غِيَابِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ تِمْثَالًا،

فَيَتَحَوَّلُ فِي يَدِي إِلَى غُبَارٍ دَافِئ،

كَأَنَّ الرُّخَامَ يَتَعَلَّمُ أَنْ يَبْكِي دُونَ دُمُوع.

وَأَمُرُّ فِي سُؤَالٍ لَا يَتْرُكُنِي:

مَنْ يَحْمِلُ ظِلَّهُ

إِذَا تَكَسَّرَ النُّورُ عَلَى أَرْضِهِ؟

رَائِحَتُكَ مَا زَالَتْ عَلَى عُتْبَةِ البَاب،

تُغْلِقُ وَتَفْتَحُ دُونَ أَنْ تُسْتَأْذَن،

كَأَنَّهَا لَا تَعْرِفُ أَنَّكَ رَحَلْت.

وَسُجَّادَتُكَ فِي الرُّكْنِ تَنْحَنِي،

كَأَنَّهَا تَحْفَظُ ثِقْلَ جَبِينٍ لَا يَأْتِي،

وَالأَشْيَاءُ مِنْ حَوْلِنَا

تَتَمَشَّى عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهَا

خَوْفًا مِنْ أَنْ تُوقِظَ الغِيَاب.

أُفَتِّشُ عَنْ نَفْسِي فِي بَقَايَاكَ...

فِي نَبْرَةِ صَوْتِي إِذَا اهْتَزَّ،

فِي يَدِي إِذَا كَتَبَتِ اسْمَكَ ثُمَّ ارْتَجَفَتْ.

أَنْتَ لَمْ تَغِبْ...

أَنْتَ تَسَرَّبْتَ فِي دَاخِلِي،

فَصِرْتَ صَوْتًا لَا يُرَى،

وَصِرْتُ أَمْشِي وَأَنَا أَحْمِلُكَ فِيَّ

كَمَا يُحْمَلُ الوَطَنُ فِي صَدْرِ الغَرِيب.

نَمْ يَا أَبِي...

فَإِنَّ المَكَانَ مِنْ بَعْدِكَ

يَتَعَلَّمُ كَيْفَ يَسْقُطُ بِلَا صَوْت،

وَأَنَا

أَتَعَلَّمُ كَيْفَ أَبْقَى

دُونَ أَنْ أَكُونَ أَحَدًا.