كَفَى مِن شَرِّ الوَحدَةِ...
فَقَد أَكَلَتْ مِنَّا
مَا يَكْفِي
لِنُصْبِحَ أَنْقَاضًا
تَمْشِي عَلَى قَدَمَيْن.
نَلتَهِمُ تُخْمَةَ الأَوجَاعِ
كَأَنَّ الحُزْنَ
وَجْبَتُنَا الأَخِيرَة،
وَنَشْرَبُ الخَيْبَةَ
حَتَّى الثَّمَالَة،
ثُمَّ نُخْفِي
اِرْتِجَافَ أَرْوَاحِنَا
خَلْفَ وُجُوهٍ
تَعَلَّمَتْ
كَيْفَ تَبْتَسِمُ
وَهِيَ تَنْزِف.
وَعَلَى جِدَارِ صُدُورِنَا
يَحفِرُ القَدَرُ حُتُوفَهُ
بِبَرُودٍ مُطْلَق،
كَأَنَّنَا
لَسْنَا سِوَى
مَسَوَّدَةٍ رَدِيئَة
لِخَسَارَةٍ كُبْرَى.
مِن أَمَانِينَا
نَهِمَتِ الحَيَاةُ،
قَضَمَتْ أَطْرَافَ الحُلْمِ
قِطْعَةً قِطْعَة،
وَتَرَكَتْ فِي أَفْوَاهِنَا
مَذَاقَ الأَشْيَاءِ
الَّتِي لَم تَكْتَمِل.
كَم بَنَيْنَا
فِي دَاخِلِنَا
بُيُوتًا لِلدِّفْءِ،
فَجَاءَتْهَا
رِيَاحُ الخَذْلَانِ
مِن كُلِّ جِهَة،
وَأَطْفَأَتْ قَنَادِيلَهَا
قَبْلَ أَنْ تَتَعَلَّمَ
كَيْفَ تُضِيء.
نَمْشِي...
وَفِي خُطَانَا
تَعَبُ أَعْمَارٍ كَامِلَة،
وَفِي عُيُونِنَا
لَيلٌ طَوِيل
لَا يُنْجِبُ فَجْرًا،
وَفِي أَكُفِّنَا
بَقَايَا دُعَاءٍ
عَادَ مِنَ السَّمَاءِ
مَكْسُورَ الخَاطِر.
نُرَتِّبُ مَلَامِحَنَا
أَمَامَ النَّاسِ،
وَنُقَلِّمُ حُزْنَنَا
كَيْ لَا يَفْضَحَنَا الاِنْهِيار،
ثُمَّ نَعُودُ لَيلًا
إِلَى أَنْفُسِنَا
لِنَسْقُطَ كُلَّنَا
دَفْعَةً وَاحِدَة.
وَمَا أَقْسَى
أَنْ تَحْمِلَ فِي دَاخِلِكَ
هَذَا الخَرَابَ كُلَّهُ،
ثُمَّ يَطْلُبُ مِنْكَ العَالَمُ
أَنْ تَبْدُوَ
بِخَيْر.
وَلَم يَبقَ مَا يُسَلِّينَا...
لَا الوَقْتُ،
لَا النَّاسُ،
لَا الوُعُودُ
الَّتِي تَمُوتُ
فِي أَفْوَاهِ أَصْحَابِهَا،
وَلَا الغَدُ
الَّذِي كُلَّمَا
مَدَدْنَا لَهُ قُلُوبَنَا
أَعَادَهَا
فَارِغَة.
فَمَا نَحنُ
إِلَّا نَاجُونَ
مِن غَرَقٍ مُتَوَاصِل،
نُرَقِّعُ أَرْوَاحَنَا
بِخُيُوطِ الصَّبْرِ،
وَنَحْمِلُ فِي صُمُوتِنَا
قِيَامَةً صَغِيرَة
تَأكُلُنَا
بِهُدُوء.
وَحِينَ نَظُنُّ
أَنَّنَا تَعَافَيْنَا،
يَنْهَضُ الجُرْحُ
مِن رَمَادِهِ
لِيُذَكِّرَنَا
بِأَنَّ بَعْضَ الآلَامِ
لَا يَمُوت...
بَلْ يَسْكُنُنَا
إِلَى الأَبَد.
وَبِرَغْمِ كُلِّ هَذَا،
نَقِفُ...
لَا لِأَنَّنَا بِخَيْر،
بَلْ لِأَنَّ السُّقُوطَ
لَم يَعُدْ يَجِدُ فِينَا
شَيْئًا يَأخُذُهُ.