عدتُ إلى بغدادَ والعودُ أحمدُ
عدتُ إلى بغدادَ… لكن أغادر من غدي
ووجدتُ الرصافي ما زال يقول:
"عِلمٌ ودستورٌ ومجلسُ أمةٍ
كلٌ عن المعنى الصحيحِ محرَّف"
أسرِعْ يا معروفُ
وأهرِعْ إلى بغدادَ
فحالُنا ما زالَ غيرَ محرَّف
لَهفي على بغدادَ من بساطيلِ العلوجِ
تشكو وتندبْ
جراحُ المغولِ لم تَزَلْ
في ثرى العراقِ داميةْ
ووجدتُ العراقَ منحوراً بلا ذنبٍ ولا سببْ
تلملمُ الرَّعاعَ
من كلِّ مشرقٍ ومغربْ
عَتّاقٌ ودجالٌ وزَبَّالٌ في كلِّ منصبْ
عاثوا فساداً بنحرِ العتاقِ النجائبْ
معذرةً يا سيَّابْ
فالشمسُ حتى الشمسُ في بلادي لا تُضيءُ
كما في سواها
من سَرَقةِ الغاصبِ الباغي يغشوها الترابْ
الشمسُ، حتى الشمسُ في بلادي حزينةْ
كان الدمعُ والغبارُ
خالَطَهُ الدمُ البريءْ
دون شمسِنا حجابْ
أكادُ أن أراه في سماءِ بغدادَ
أكادُ أقرؤه في كلِّ صفحاتِ العتابْ
مكتوبٌ عندَ كلِّ قريةٍ
وفوقَ كلِّ بابْ
كأنه الضياعُ، يهمسُ لي كأنه الضياعْ
لا بدَّ أن أعودَ، من أين أتيتُ لأن أعودْ
أسألُهم: هل ما زال في العراقِ ماءْ؟
ويرجعُ الصدى:
ما زال في العراقِ ماءٌ وترابٌ وحجرْ
ما زال فيه وادٍ وزَرعٌ وشجرْ
ثم يُجيبُني القدرْ:
بغدادُ تَمَكَّنَ منها الرَّعاعُ والغجرْ
ترى الخسيسَ في مَنْصِبٍ وفي حَشَمْ
شيمتُه الخيانةُ والغدرْ
كان عبداً جاءَ به النَّخَّاسُ
من سوقِ العمالةِ والمكيدةْ
يُسلِّطُه الطغاةُ على ترابِ العراقِ والحجرْ
لعلَّها كبوةٌ ثم نَفوقْ
وكيف نستفيقُ وقد
أصبحنا أشلاءً مُمَزَّقةْ
قدسيةُ الإنسانِ مُنتهَكةْ
مذاهبُ وطوائفُ، أديانٌ
وقومياتٌ وألوانٌ ولغاتْ
وأذنابُ الغزاةِ حُفنةٌ من سماسرةْ
تمتهنُ الدعارةَ
وتحمي العاهراتْ
أذيالُ الأعاجمِ في بغدادَ
تحكمُ بما تُملي
العمائمُ واللُّحى
بما تُمليه من طهرانْ
حدائقُ غَنَّاءُ وجواري وغِلْمانْ
وفيها العراقيُّ الكريمُ ذليلٌ مُهانْ
عن الدمِ والثارِ والكراهيةْ
يُسألُ أبناءُ الشهيدِ
عن جُرحٍ مُلطَّخٍ بالدمِ والصديدْ
بالردى المُتجَدِّدِ كلَّ عامٍ من جديدْ
أهوالٌ يشيبُ لها رأسُ الوليدْ
ولا جوابْ
يَخِرُّ أحرارُ العراقِ شهاباً بعد شهابْ
مضت أسرارُ الأرواحِ بغموضْ
عاصفةِ الترابْ
ووجدتُ الكريمَ في بغدادَ
يشكو داءَ الغُربةِ في الوطنْ
ويسرُدُ لي أشكالَ المصائبِ والمِحَنْ
يشكو من ضَنكِ العيشِ وقِلَّةِ المُؤَنْ
تَفَسُّخِ النظامِ وتفشِّي الرشوةِ أو جَوْرِ الزمنْ
وتسألُني: لِمَ لا تعودْ؟
فهيهاتَ، هيهاتَ العراقُ ومَن به
وهيهاتَ من مجدٍ مُضاعْ
يا حسرتي على العراقِ، لن أعودْ
أبحثُ في غَياهِبِ النفسِ عن بَصيصٍ من أملْ
أبحثُ في وجوهِ النسوةِ والأطفالِ وفي المُقَلْ
لعلِّي أُبصِرُ الأملْ
سأبحثُ في سواحلِ الخليجِ والسُّهولِ
في العراقِ والجبلْ
فربَّما هناك شيءٌ اسمُهُ الأملْ
نُحاكِمُ التاريخَ ونجترُّ ماضينا
ما زلنا نُجادلُ: كيف الصلاةُ والوضوءْ
وكيف نضعُ عند الصلاةِ أيدينا؟
قرونٌ مَضتْ ونجترُّ ماضينا
فتاوى تكفيرٍ ونكاحِ الجهادِ ومُتْعةٍ
يُفتيها قاضينا
عبدنا أصناماً وكسرناها
لنعبدَ مَن يُحابينا