بِضْعُ مَنازِلَ مِنْ تِبْنٍ وَطِينْ
وَنَبْتَةُ الكافورِ واحِدَةٌ يَتيمَةٌ ذَبْلى...
حُفاةٌ.. غَيْرَ أَسْمالٍ رَثَّةٍ لا يَمْلِكونْ
أَهْلُها..
مَضَوْا وَبَقِيَتْ بِالجُذورِ لا تَقْوى على الرَّحيلْ
تَغوصُ في بَحْرِ المِلْحِ، وَحْلٌ وَطِينْ
وَتَلٌّ غريبٌ فَرْداً وَحْدَه
مَجْدُورٌ.. وَكانَ النّاسُ عَنْهُ راحِلينْ
وَأَهالِيها مِنْ ماءِ الغَديرِ كَدَراً يَشْرَبونْ
أَواني جَدَّتي مِنْ صُفْرِ النُّحاسْ
وَرِثَتْها مِنْ عُهودِ الغابِرينْ
في مَوْسِمِ البَرْدِ صِبْيَةٌ في المَزابِلِ يَعْبَثونْ
:أَقْدامُهُمْ.. بَراعِمُ طينٍ تَنْمُو في أَحْشاءِ النَّفايات،
وَثِيابُهُمْ.. حَكايا مُمَزَّقَةٌ رَوَتْها الرِّيحُ لِلْمَسامير.
حُفاةٌ.. غَيْرَ أَسْمالٍ رَثَّةٍ لا يَمْلِكونْ
وَمِنْ هَجيرِ القَيْظِ في ظِلِّ الخَرائِبِ يَحْتَمونْ
تَتَضاءَلُ القَرْيَةُ كُلَّ عامْ
تَأْكُلُ بَعْضَها.. وَتَرْمي العِظامْ
تَصْغُرُ وَالنّاسُ عَنْها كُلَّ عامٍ يَرْحَلونْ
جَفَّ غَديرُها وَتَشَقَّقَ القاعْ….
بِلا نَباتٍ.. دُونَ طِينْ
النِّساءُ كُلَّ حينٍ نائِحاتٌ يَنْدُبونْ
قيلَ أَنَّهْ….
هُناكَ خَلْفَ أَسْوارِ المَدينَةِ أَشْجارُ نَخيلْ
خَلْفَ أَسْوارِ المَدينَةِ زَيْتُونٌ وَتينْ
هُناكَ مِنْ ماءٍ زُلالٍ بارِدٍ هُمْ يَشْرَبونْ
لَسَعاتُ البَعوضِ في المَساءْ
وَالجُفُونُ حُمْرٌ دامِيَةٌ تَأْبى المَنامْ
وَالحُمّى المُعْدِيَةُ (تيفو) تَزُورُ كُلَّ عامْ
وَالنُّفوسُ بِالنُّقْصانِ عاماً بَعْدَ عامْ
رُزِقْنا كُلَّ أَشْكالِ المِحَنِ دُونَ الأَنامْ
شُحَّةُ المِياهِ في حَرِّ الهَجيرْ
وَالشُّجَيْراتُ كُلَّ صَيْفٍ تَلْقى حَتْفَها
صَمْتٌ يَرْتَدي بَياضَ العِظامْ
ماتَتِ البُسْتانُ وَانْعَدَمَ الرَّجاءْ
قُضِيَ الأَمْرُ وَعَلى الدُّنْيا السَّلامْ
مَنْفَذُ الخَلاصِ يَبْدَأُ مِنْ هُنا
نَرْصِفُ أَحْجارَ الطَّريقِ حَجَراً يَتْلُوهُ حَجَرُ
رَيْثَما نَلْمَحُ مَنْفَذاً في الجِدارْ
الجُوعُ وَالفَقْرُ وَالبُؤْسُ.. خِزْيٌ وَعارْ!!
الجُوعُ ذِئْبٌ يَلْحَسُ أَحْلامَ الشَّبابْ
يا لَوْعَتي.. يُصْبِحُ البُؤْسُ عاراً وَسِبابْ
لا تَهْدَأُ رُوحي، لَيْسَ لِلنَّفْسِ قَرارْ
غَداً أَوْ لا فَبَعْدَ غَدٍ يَحينُ مَوْعِدُ الفِرارْ
جَذْوَةٌ تَسْعَرُ في الجَوْفِ وَلَنْ يَخْمَدَ بَريقي
أَمْهِليني يا أُمَيْمَ القَلْبِ.. كَيْ أَرْسُمَ طَريقي
وَحَذارِ يا بَغْدادُ لِدَمِ الأَحْرارِ يَوْماً أَنْ تُريقي
أَمْهِليني رَيْثَما ابْتَلَّتْ عُروقي
أَنا راحِلٌ دُونَ الحَقائِبِ.. دُونَ مَخاوِفي
أَحْمِلُ هُمُومي
وَاحْتَفَظْتُ بِرَشْفَةٍ مِنْ لَماكِ
مِنْ شَذاها في المِحَنِ أَبُلُّ ريقي"
أُعيدُ لبغدادَ مِلحَ الدموعِ.. وأمضي
بلا لغةٍ في المَقاصِل،
لا جوعَ يتبعني، لا حقوقَ تُطالبني بالانحناء..
سأخرجُ من "طينةِ" البؤسِ عارٍ
إلّا من "نُقطةِ ضوءٍ" سرقتُها ذاتَ مساء..
من بينِ أجفانِكِ المُثقلاتِ بالخوفِ..
أخبؤها تحتَ صدري..
لتكونَ شمسي.. إذا ما أضاعَ الطريقُ