فوضى تُرتِّبُني حبراً على ورق
لم أنْسَني قَلِقاً لم ينْسني قلقي
ضوءٌ بعيدٌ وما آنستُ ثمّة ما
يصبو إلى أوّلٍ في آخر النفق
هيَ المسافةُ بينا في المجاز رؤىً
محسوبةٌ بالذي يبدو من النَّزَق
هنا المساءُ أكفٌ ليس يشغَلُها
ألّا يُكفكفَ هذا الدمعُ في الحَدَق
الليل أعمى فمن ذا قاده وأتى
ليستعيدَ الذي قد غابَ من أرَق
للمتعبين بهاءُ الأرضِ حين رَبَتْ
تخفي مخاضاً به الآلام لم تُطَق
مهللِّون كأن السَّبْقَ حالفَهم
ومضمِرون عناء الخيل في السَبَق
يأتونهم من أمامٍ ليس يخلفه
إلا الذي كان من سيفٍ على العنق
مبحوحةٌ ها هنا الأصواتُ من زمنٍ
مذ عَلَّموا النايَ لا يهفو لِمُنْعَتَقِ
مذ قيلَ للنارِ هذي قسمةٌ عَلموا
أنْ تلك حِصَّتُهم حَرْقٌ على حَرَق
صلِّ الجنازةَ مفتوناً بِمَنْ سَلِموا
فالموج في البحر لم يسلمْ من الغَرق
لو كنتُ أرجعُ لاستحلفتُ قابِلَتي
عن كل ما ها هنا صِدْقاً ولم أثِق
لقلتُ للروحِ أنْ لا ثَمَّ مَنْطَلقٌ
يُفضي إليَّ فعودي فيَّ واختنقي
وقلتُ للريحِ أني لا أرى جهةً
من حيثُ جئت إلى اللاحيثُ فانطلقي
وقلتُ للمزنِ أني ليس تغسلني
هذي السماء وما حُمِّلْتِ مِن وَدَقِ
وقلت للناي أنْ لا لحنَ يعزفني
غير الأنين وأما السَّمْعَ فاسْتَرِقِ
هي الحقيقة إنَّ الطين يفتنُنا
به تماسُكه والأصل مِنْ مِزَقِ
مازلتُ يا أمَّنا الصحراءَ مغترباً
أقصوا الجهات وخلوا زحمةَ الطرق
كيف الوصول وما للماء بَوْصَلةٌ؟
ومثلنا أُبعِدوا عن نبعهِ الغَدِقِ
وكل مُفْترَقٍ رُحنا نُخَلِّفُهُ
ما راح يسلمنا إلّا لِمُفْتَرَقِ
إلي متي هذه الأنْفَاُق عَتْمَتُها
والضوءُ غطَّ عميقًا ثُمَّ لم يُفِقِ
لا تُعذَلُ القِدِرُ في ما إنْ تكن هَدَرَتْ
فرُبَّ ما أصدرتْ من نَزعةِ الرَّمَق
لو يعلمُ الشعرُ عن عجْزِ أحاق بنا
لسطَّرَ الوجعَ المكنونَ في الأفُق
إذ الحروف نبيُّ القلب فاتئدوا
ولتقرأوا حزنَه في وجهه الطلُق
ولتنزعوا الشوكَ عن أطراف جُبّته
لتلمسوا فيه ما قد فاح من حَبَق
ولتصفحوا عن دَويِّ الآهِ في لُغةٍ
ضوضاؤها أفسدت ما شِئتُ من نَسَقِ
ما كنتُ آوي إلي ظلٍ هناك وبي
فوضى ترتبني حبراً على ورق