من نحنُ ؟
بين توجُّسِ الصلصالِ
تجترحُ المرايا في ملامحِنا خطيئتَها القديمة ،
ثمَّ نُطفَأُ في اقترافِ الماءْ !
من أين جاءَ الجذعُ في تكوينِهِ الطينيِّ يحملُ
في نبوءتِهِ بكاءَ الماءِ يا بكَّاءْ .. ؟
هل تستريحُ الريحُ ؟
لا
والليلُ يعبرُ من ثيابِ عذابِنا المنسيِّ
تنبشُ من شقوقِ الطينِ أسئلةً تحاصرُ
في أديم الماءِ آخرَ شهقةِ الأشلاءْ ؟
يا ليلَ هذا البردِ ..
يا مطري الضبابيَّ الغريبَ ..
ويا صدى قلقٍ من الصمتِ المُكَدَّسِ في
شفاهِ الأرضِ مُذْ طوفانِها والماءُ
ينفضُ من مواجعِ طينِهِ الأخطاءْ ..
للحزنِ طَرْقُ الماءِ
يا وجعي المجازيَّ المُدَثَّرَ بالحقيقةِ
في فصولِ الماءْ
جئنا من العدمِ البعيدِ قصيدةً
منسيِّةً في الريحِ
منذورينَ للنسيانِ مثلَ الماءْ
يا ماءَ هذا الماءِ ما في الطينِ ذاكرةٌ
وهذا الطينُ ينسى نصفَهُ المائيَّ
بعضُ الماءِ
ينسى الماء ..
ستدقُّ كفُّ البردِ بابَ الطينِ ..
تضربُ في دمِ الصلصالِ خيمتَها الرياحُ ..
يجوسُ بين توجُّسِ الكلماتِ شيخُ الماءْ
سيذوبُ سُكَّرُ حدسِهِ المائيِّ في ليلِ من الصمتِ الفصيحِ
وقد أناخَ حرائقَ المعنى بظلِّ معاجمِ الغرباءْ
سيطلُّ خلفَ عيونِنا
طفلٌ يخبئُ في ملامحِهِ سؤالاً من سنينِ الشكِّ
في طُرُقاتِ فانوسَيْنِ نعبرُ أبحرَ الظلماءِ نخرجُ من
ظلام النارِ نغرِفُ من ضياءِ الماءِ يا ابنَ الماءْ
نجتازُ من قلقَيْنِ نتركُ خلفنا الصحراءَ ظامئةً
وليلُ الريحِ يُخفي في فراغِ الغيبِ ما يمشي
على صفحاتِ هذي الأرضِ من أسماءْ
تقفُ الخطى مبتلةً بالوجدِ والأنفاسُ غرقى ،
والمشاعرُ يا غريبُ ظماءْ
صمتٌ على العتَبَاتِ
يشجي حدسَنا المائيَّ : " إنَّ الماءَ تخذلُه
إذا دقَّ الزمانُ دِلاءْ .. "
كالماءِ نخرجُ من جيوبِ الغيمِ نقفزُ
من أصابعِهِ احتمالاتٍ من الأملِ المؤجَّلِ
باتَ يحملُ نعشَهُ
ما بين مقصلةِ الوجودِ
وظلِّ مشنقةِ الفناءْ
أنحازُ للظلِّ القديمِ وفي دمي أسقي
بقايا الماءِ من كأسِ الصبابةِ نارَها
من ذا يجدِّدُ سيرةَ الشُّبَّاكِ يا زمناً
ويرجعُ قصةَ الكحلاءْ ؟
غرِقتْ دفاترُ عمرِنا احترقتْ
ومازالتْ مواويلُ الطفولةِ جائعاتُ الروحِ
يا تفاحتي السمراءْ ..
مازال في كفيكِ ما يخفي
لقلبي فتنةَ الحنَّاءْ ..
في الشارعِ الخلفيِّ أرصفةٌ يرافقُها الغيابُ بلا هدىً
ونشيجُ قنديلِ الديارِ مُزَمَّلٌ
بالبردِ تحرسُهُ
خطى الظلماءِ عابسةَ الحذاءْ ؟
أمضي ..
وتمضي الحياةُ
كأنها أحلامُ أشجارِ الشتاءِ ...
كأنها خطواتِ صمتِ الليلِ فوق أديمِ أرصفةٍ
تسيرُ إلى الوراءْ
.. وكأنها نقراتُ بردُ الريحِ
في البابِ القديمِ
ولايزالُ البابُ
ذاك البابُ
يحفظُ رُغمَ أنفِ الوقتِ
من وقفوا على العتَبَاتِ من أسماءْ .. !
مازال عشُّ الأمسِ يا عصفورَ أيامي
بثقبِ الطوبةِ الحمراءِ في جدرانِ حارتِنا
يحنُّ لضحكةِ الغرباءِ ..
مَنْ أودعَ الأسرارَ في الجدرانِ إحساساً ؛
لتذكُرَ أهلَها الأشياءُ غير اللهِ
سبَّحَ في الوجودِ بحمدِهِ الأشياءْ .. !
.. كالماءِ منذورونَ للنسيانِ
ذاكرةُ الترابِ تبرأتْ منا ،
وصادرتِ الرمالُ
مرورَنا يومًا عليها !
نحنُ بعضُ خلاصةِ الجذعِ الأخيرِ تشكلتْ أيامُنا في الريحِ ..
نحنُ فجيعةُ الأشياءِ بالأشياءْ ..
- هل تذكرُ الأشجارُ ؟ ( يسألُ عابرٌ )
فيجيبُ جذعٌ نازفٌ :
" نصفي هنا قلقُ الرمادِ .. ، وإنما
هل يذكرُ الحطابُ
أنَّ لنظرةِ الأشجارِ أوجاعاً
لها أصداءْ ؟ "
مَنْ قاسمَ الماءَ الأخيرَ
وشايةَ المرآةِ بالصلصالِ ؟
والصلصالُ
وجهٌ آخَرٌ للماءْ ؟
ستخونُ ذاكرةٌ
وينسى الطينُ وجهَ الماءْ
سيضلُّ ربانٌ سماءَ شراعِهِ ،
ويخونُ ملحُ البحرِ رملَ الشطِّ
لكنْ
لا
يخونُ
رفاقَهُ الميناءْ
- نمضي ..
سيذكرُنا الأحبةُ ؟
- ربما ..
- نقضي ..
وينسانا الأحبةُ ؟
- بعدما ..
- وكأنما مِن قبلُ ما كنَّا هنا ..
- وكأنما ..
نمضي ..
وتبقى خلفنا المرآةُ تُسقطُ
مِنْ ملامِحِ وجهِها
الأسماءَ ..
يظهرُ خلفنا في الظلِّ
وجهٌ آخرٌ للماءِ نورثُهُ مصيرَ الماءِ
يا ابنَ الماءْ ..