تخطَّ إلى المحتوى

أخاتل طير الحرف أرسم خطوه

غير معروف

٢٧ بيت

المتفرقات

أُخاتِلُ طيرَ الحرفِ أَرْسُمُ خَطْوَه

على خُطَّةٍ تُفْضي إلى شَرَكِ القولِ

فيَلْمَحُ ما أرمي إليهِ فَيَنْثَني

ويُمعنُ في الإفلاتِ من قَبْضَةِ الحَبْلِ

يُحلِّقُ في الآفاق من غير وُجْهَةٍ

سوى أنه "حرُّ" المسالكِ والسُّبْلِ

يجوبُ سماءَ الصمتِ يقتاتُ عِزَّةً

ويُزْري على مُستحدَثِ القولِ والنقْلِ

أُلاطِفُهُ يا حرفُ: "مالَكَ غاضِباً

ومالَكَ لا تُرخي قيادَك للعقلِ

ألستَ عروسَ الفكرِ تُجلى بهيةً

يهيمُ بها أهلُ النباهةِ والفضلِ

فيسترخصون الوقتَ والمالَ والعنا

لخطبتها والبنتُ تمرحُ في شُغلِ

وما أنتَ دونَ الفكر إلا كصرخةٍ

يُصِمُّ بها آذانَنَا مشفر البغلِ

فما لكَ تأبى منزل الفضل والعلا

وتَأوي إلى بيتٍ وضيعٍ من الجهلِ"

تأمَّلني طيرُ الحروفِ مُخاصِمًا

وما زالَ في ريبٍ، ويجفلُ من خَتْلي:

"ألم تَسْتَرِقُّوا أمةَ الحرف عُمْرَها

ولم تكُ للإنسانِ أكثرَ من ظلِّ

تَفَنَّنْتُمُ في صَوْغِ شعبي ونَضْدِهِمْ

بدائعَ كالأقمار تُسْفِرُ في اللَّيلِ

وَسَوَّدْتُمُ آلافَ آلافِ صفحةٍ

تَدَافَعُ من فجر الخليقة كالسَّيْلِ

فأقبلَ طوفانُ المعارفِ مُزْبِداً

يجرِّفُ أشجار الضلال بلا مَهْلِ

وقامتْ على أنقاضِ كُلِّ جَهَالةٍ

عَمائرُ علمٍ شامخِ راسخ الأصلِ

وَرَوَّضْتُمُ أعتى الوحوشِ فَأَذْعَنَتْ

وَسَوَّيْتُمُ شُمَّ الشماريخ بالسَّهْلِ

وَجُبْتُمْ دهاليزَ الوجود بمشعل

فما عَادَ من سرٍّ عزيزاً على النَّيْلِ

ولكنني مذ كنتُ لم أرَ مشهداً

سوى أدمعٍ، والنصلِ يُقْرَعُ بالنَّصْلِ

ظَفَرْتُمْ بأسرارِ الوجودِ جميعِها

فَلَمْ تُغْنِكِمْ عن فَقْدِكُم بَسْمَةَ الطفلِ

تَمَلَّكَني من مَنْطقِ الحَرْفِ دَهْشَةٌ

وَصِحْتُ به: قَد جئتَ بالكَلِمِ الفَصْلِ

ولكنَّنَا يا طيرُ ما مِنْ مَطِيَّةٍ

نَجُوزُ بها أَرْضَ الفجيعةِ والثُّكْلِ

طريقٌ وحيدٌ ما لنا غَيْرُ خَوْضِهِ

تُمَزِّقُهُ الأقدار بالقَوْسِ والنَّبْلِ

وما نحن إلا البُؤْسُ قد قامَ واستوى

يُدافعُ بالأيدي ويَبْطِشُ بالرِّجْلِ

لَجَأْنا إلى الأديانِ كَيْما تُغيثَنا

فَمَا أَمْطرتْنا غيرَ وَيْلٍ على وَيْلِ

ولُذْنا بقنديل العلوم لَعَلَّهُ

يُضيءُ طريقَ النفسِ في غابة الذَّحْلِ

ففاضَ علينا العلمُ نوراً، ونورُهُ

براكينُ لا تُبْقي على الحَرْثِ والنَّسْلِ

فَعِشْ صامتاً، أو صِحْ وثَرْثرْ مُعَرْبِداً

فلا فرقَ بين الصمتِ -يا طيرُ- والقَوْلِ