تخطَّ إلى المحتوى

شعر التفعيلة

١١٧ بيت

المتفرقات

يا صاحبي...

افتح نوافذَ غرفتي

من أين يأتي يا صديقي

فجأةً هذا الدُّخَانْ

هاتِ الدواءَ لكي أعالجَ ما أرى

فيلٌ على ظهرِ الحصانْ

في زهوةٍ يجري ويرمَحُ حولَ سُورٍ

عُلِّقَتْ أعلاه لافتةٌ بخطٍّ لا يُرى:

«الأرض ليست للبِناءْ

— قد كان يومًا ها هنا مشروعُ مَيدانْ —

الأرض مِلكُ وزارة الحيوانْ»

يا صاحبي...

أغلِق شبابيكَ المكانْ

إني سئمتُ هواء بلدتنا الذي لا يُحتمَل

يا صاحبي...

قل لي بربِّك ما العملْ؟

إني رغبتُ عن الحياةِ

وعن مُداعَبة الكَمَانْ

يا صاحبي...

أرجوك أسرِع لستُ أحتملُ الهواءْ

أغلِق شبابيك المكانْ

أطفِئ مصابيحَ الإنارة كي أنام إلى الأبَد

أينَ الدواء؟

لا تنسَ وَضْعَ الوردةِ البيضاءِ

في كيس القمامةْ

واطبُخ لنا تلك الحَمامةْ

مزِّق جناحات الفراشةِ

إنها قد أزعجتني

واقطع لسانَ البلبل الزنَّانْ!

حطِّم زجاجات النبيذ الآنْ

يا صاحبي...

عجبًا... أتُبصرُ ما أرى؟

زال الدُّخَانْ!

يا صاحبي...

ما أحقرَ الإنسانْ!

يا صاحبي...

إني حزين وَسْطَ أعقابِ السجائرْ

في بلدتي مليون حائرْ

وبداخلي شخصٌ عديمُ الحسِّ

لا يهتمُّ إلا بالنساء العاريات

ويظلُّ طول الليل يسكرُ

فوق أفخاذِ العواهرْ

قد كان منذ سنين ثائرْ

لكنه فَقَدَ الحياة بلَيلةٍ

من بعد أن قتلوا الحصانْ

ما هكذا يا صاحبي أرجو الحياةَ

فإنني

لن أحتملْ...

مثلَ الغريب على سفينةِ قائدٍ

ضاعت خريطةُ بيتِهِ

هل صار هذا الثائرُ الغضبانُ كالكلبِ الجبانْ؟!

يا صاحبي...

ما أصعبَ الأحزانْ!

ما بالُ تلك العنكبوتْ

منذ انتقلنا للإقامة ها هنا

تخطو بلا كسلٍ

ولم تنفكَّ عن غزل الخيوط

وأنا كذلك لم أزَل متأمِّلًا علياءها

متفرِّجًا... كيف انبنى

— رغمَ الهشاشةِ —

فوقَنا الملكوتْ

وأقولُ في سري لعلَّ البيتَ

هذا البيتَ

مقبرةُ الذباب

اليومَ آخِرُ فرصةٍ كي لا يموتْ

هل كان يملك وقتها سقراطُ أن يحيا

إذا جَهِلَ الحقيقةَ كلَّهَا

هل كان يملكُ أن يعيش حياتَه

إن كان يملك بنكنوتْ

أم إنه سوط القدر؟

هذا الذي لا يعرفُ الفقراءُ إلا

أن تُطأطَأَ رُوسُهم حتى يمر!

والعنكبوتُ تمارسُ الجبروتْ

وإذَن...

فقانونُ المدينةِ والبيوتْ

سيموتُ مَن لا يستميتْ

يا صاحبي...

هل ثَمَّ أخبارٌ جديدَة؟

أرني الجريدة

كتبوا بخطٍّ أحمَرٍ في الصفحة الأولى:

«أتى... وحصانُ بلدتنا اختفى»

فنظرتُ نحو رفيقِ غرفتي الضئيلةِ

غاضبًا:

مَن ذا الذي قتل الحِصانَ على المَشاع؟

كلُّ الذين أحبهم ذهبوا بغير وداع

لم يبقَ لي شيءٌ سوى هذي الكآبةِ

والسكونْ

وعدٌ تلاشى من يقين الذاكرةْ

وضبابُ أحلامٍ...

على الأسفلتِ تنظرُ ساخرةْ

فتحوا لنا سوقَ الكآبةِ... إنها بئرُ الضَّيَاع!

حيثُ المشاعرُ...

والأمانيُّ القديمةُ...

والحياةُ... تُباع

قابيلُ لا يبكي أخاه

وغُرابُهُ يستحسنُ الأوضاع

لن يعتني بدماءِ هابيلَ المُراقةِ مُعدِمٌ

يا آدمٌ

قد خابَ فألُكَ في بنيكْ

هذا الغرابُ دليلُهم

فأضلَّهم...

من بعدما جعل الشهودَ جياع!

سُحقًا لهذي الأرضِ...

سحقًا يا بني آدم!

سحقًا لمَن يرجو الحياةَ بحكمة الجَعجَاع

هبط الهراءُ على المدينة كلها

الآن أُقسِمُ:

لا مفرَّ من الهراءْ

فمتى تحنُّ لنا السماءْ؟

الأرضُ منفى كلِّ مهمومٍ شجاع

ضاع الذين أحبهم

ضاعوا

ضاعوا بغير وداع

يا صاحبي...

مَن ذا الذي قتل الحصانَ على المَشاع؟!

يا صاحبي...

أنفاسُنا أوجاع!