إني أحنُّ إلى ماضٍ يعيدُ صِبايَ لي
ويبعثُ في قلبي الحزينِ تلهُّبا
أعودُ إليهِ كلما الدهرُ أرهقني
فأبصرُ فيه النورَ ينسابُ مُطْرِبا
أحنُّ إلى زمنٍ صفا العيشُ في حِماه
وكانت لياليهُ بقلبي مُهَذَّبا
إلى حارةٍ كانت لنا مأوى براءةٍ
وجيرانِ صدقٍ ما عرفنا لهم أذى
إلى قمرٍ في ليلنا كان مؤنسَنا
إذا غابَ عنّا الحزنُ وانطفأ الجوى
إلى ضحكةٍ كانت تداوي صغائرنا
وتغسلُ من أعماقنا كلَّ ما كَبا
إلى لهوِ طفلٍ في الرمالِ مُخيَّمٍ
يبني القصورَ الخُضرَ حين تَصَوَّبا
أرى في خيالي ذاك عهدَ طفولةٍ
كأنَّ زماني فيهِ بالصفوِ غُسِّلا
يمرُّ كطيفِ البرقِ في لحظةِ المدى
ويتركُ في قلبي حنيناً مُعَذَّبا
أشتاقُهُ شوقَ الطيورِ لغِردِها
إذا ما الفضاءُ الباردُ الليلَ غيَّبا
فكلَّما أبصرتُ شيباً برأسي
رأيتُ صِبايَ اليومَ عني تَوَرَّبا
ولستُ أرى في الشيبِ إلا رسالةً
تُذكّرني أن الزمانَ تَصَرَّما
أحنُّ إلى أمنٍ مضى غيرَ عائدٍ
وإلى صفاءِ القلبِ حين تَحَبَّبا
سألتُ صغاري كيف طعمُ نعيمِكم
فخِفتُ جواباً يملأ القلبَ نَكَّبا
فولّيتُ عنهم والدموعُ كأنها
غيوثُ أسىً في مقلتيَّ تَسَرَّبا
بحثتُ بذاكرتي عن الرملِ حينما
بنينا قصوراً في الخيالِ مُذَهَّبا
وكانت لنا أمٌّ تُغذّي طفولَنا
بحبٍّ كأنَّ الدهرَ فيهِ تَهَذَّبا
ثم انثنيتُ إلى الإلهِ مُناجياً
ففيه الأمانُ إذا الفؤادُ تَغَرَّبا
إذا ما ابتعدتُ ازددتُ خوفاً وهيبةً
وإن عدتُ قرباً زال عني التَّعَبّا
أحنُّ إلى زمنٍ بريءٍ مُصفّىً
بلا حقدِ دنيا أو جشاعٍ تَغَلَّبا
أحنُّ إلى نفسي كما كنتُ طفلاً
فأبكي على ما كان يوماً تَغَيَّبا