الغيمُ تحوَّلَ، والليلُ تحوَّلَ، والشوقُ تحوَّلَ...
في دُنيا دَيدَنُها أن تتحوَّلَ،
هل أضمنُ ألّا أتحوَّلَ عن جهةِ الحبِّ؟!
ألّا أجنحَ أحيانًا، وأُدمِّرَ جزءًا مِن قلبِ الآخرِ أو مِن قلبي؟
ألّا أصرعَ مِن حولي أسرابَ فَرَاشٍ ضائعةً،
وأراها تتفحَّمُ في ناري عن قربِ؟
أخشى أنّي واقعةٌ في النصفِ تمامًا.
ما بينَ جنوني ورزانةِ عقلي،
ما بينَ هدوئي وعواصفِ حسّي،
ما بينَ جمالي وتَفَسُّخِ جوفي،
ما بينَ حيادي وتحيُّزِ حُكمي...
لا أُنكِرُ أنّي تلكَ المرأةُ،
مَن تقضي وقتًا أكثرَ ممّا يلزمُ في مَسرَحِها العابثِ،
لا تخرجُ منهُ لشيءٍ آخرْ.
لونُ الدُّنيا برّاقٌ. موسيقاها لا تهدأُ. فتنتُها كأسٌ مُترَعَةٌ، والساقي أيضًا فاتنْ.
يشدهُني أنّي حتّى اللحظةِ لم أرقص في بارِ الدُّنيا،
لم أتودّد للساقي، لم أذقِ الكأسَ، كأنّي دونَ لسانٍ.
يشدهُني أنّي هذا الكائنْ.
لستُ ملاكًا؛ آكلُ وأنامُ.
ولستُ إلَهًا؛ أنسى ملكوتي، وأميلُ، ولا أحكمُ بالقِسطاسِ. ولستُ كذلكَ شيطانًا؛ أرجعُ عن خطئي، وأداهنْ.
بشرٌ، لكنّي أُشبِهُ ناسكةً في جبلٍ،
لا تعرفُ إلّا هذا الجبلَ الشيخَ، وتلكَ الأشجارَ الشمّاءَ،
وهذا النهرَ الساكنْ.
قمرٌ / قمرٌ/ قمرٌ/ قمرٌ/ قمرٌ/ قمرٌ/ قمرٌ
سبعةُ أقمارٍ، والليلُ هو الليلُ! طويلٌ ومُمِضٌّ.
والكأسُ المُترَعَةُ، هناكَ، وساقيها، نظرا
وانتظرا كالظَّبيَةِ والشادنْ.
"أثمانٌ ندفعُها"
تحشُرُنا الحكمةُ في المَأزِقِ، ثُمَّ تولِّي هاربةً.
أينَ الحكمةُ؟
إنّي لا أُتبِعُ رِدفَ الدُّنيا لَحظًا يتشهَّاها.
لا أحلمُ أن أملِكَها،
أن أهصِرَها بينَ ذراعيَّ. وأشربَ مِن فِيْها.
أينَ الحكمةُ؟
إنّي أقضي عُمرًا في البرجِ العاجيِّ،
أُضاجِعُ صورتَها السُوقِيَّةَ، رَغم غيابي عن مَضجَعِها
ولطافِ لياليها.
أينَ الحكمةُ؟
ما دامت نفسي الأمّارةُ راغبةً، وأنا لا أَثنيها.
المَأزِقُ في قلبي.
كنتُ وقعتُ قديمًا في الحبِّ.
أسكرني شيءٌ يمكِنُ أن يوصفَ بالخفَّةِ،
أدمنتُ شعوري، واستمتعتُ كثيرًا.
أَوَلم أفتحْ للريحِ جناحيَّ، وأُولَدْ ثانيةً مِن صُلبي؟
أَوَلم ألمِسْ بيديَّ سماءً عاريةً، فتكلَّمتُ كلامَ العُشبِ؟
عبثتْ خمرُ هوايَ برأسي، لا شكَّ...
إلى أن جاءت لحظةُ صحوٍ.
ما أحوجني للكأسِ! وما أحوجني للصحوِ!
وما أصعبَ تلك اللحظةَ،
حين أرى كالمذنبِ حالَ مُحاكَمَةٍ ذنبي.
وحَكَمتُ،
فحكَّمتُ حيادي: ما لي وخمورَ هوًى، وفَوَاقَ أسًى!
"أثمانٌ ندفعُها"
ما أعمقَ صوتي وهْوَ يردِّدُ حكمتَهُ.
ما أجملَ وجهَ الساقي، يخطرُ، وهْوَ يصبُّ الكأسَ
ويلمحُ فيها صورتَهُ.
ما أجملَهُ يجرعُ فتنتَهُ!
ما أجملَهُ الحبَّ، وإن دامَ قليلاً واسترجعَ سَكرَتَهُ.
مَن في هذا الجبلِ الشيخِ سوايَ يكابدُ لعنتَهُ؟
مَن يلعبُ في منطقةِ النصفِ تمامًا، في برجٍ عاجيٍّ،
بحيادٍ لا يصلحُ في مأساةِ القلبِ، فيخسرُ لعبتَهُ؟
مَن أَوقَعَ بي؟ مَن كادَ لقلبي؟
يشدهني أنّي حتّى اللحظةِ لم أُمتِع قلبي بينَ ضلوعي،
لم أرقص في بارِ الدُّنيا،
لم أذقِ الكأسَ،
ولم أتودَّد للساقي.