بماذا أبادلُ عينيَّ؟!
قد كنتُ في صحبةِ النهرِ، قُربَ المياهِ، بعيدًا عن البيتِ،
عن تَلَّةٍ من بيوتٍ تفرَّقنَ مثلَ جواهرَ فوقَ خِمارِ عروسٍ...
وقد كنتُ مشغولةَ البالِ؛
أوّلُ ما كانَ يطرقُ رأسي إذا ما خلوتُ إلى الماءِ حلمٌ.
فهل هذهِ فرصتي؟
هل وصلتُ ليومِ النزولِ، ليومِ الحلولِ،
ليومِ التفكُّكِ في أزرقِ الموجِ؟
هل هذه فرصتي لأصيرَ نداءً؟
وأظهرَ في الليلِ في آخرِ الليلِ للرجلِ المُتعرِّقِ في نومِهِ،
وأميلَ على خدِّهِ، وأُقرِّبَ وجهيَ مِن أُذْنِهِ ثُمَّ أهمسَ:
يا أنتَ. قُم، واتَّبِعني.
أشيطانةٌ ما رأيتُ ضُحًى أم ملاكٌ؟!
مِن العقلِ، من حكمةِ المرءِ، أن يتساءَلَ:
ذاكَ الذي مرّ َكالطيفِ ماذا يكونُ؟!
لَحِقتُ بها وهْيَ تخلعُ فستانَها...
آهِ يا فتنةَ الرُّوحِ!
يا ويلَ عينيَّ إذ تسرحانِ إلى قُبَّةِ الصدرِ،
إذ تنزلانِ إلى طِيَّةِ البطنِ،
إذ تهبطانِ، وإذ تهبطانِ، وإذ تهبطانِ إلى مرمرِ الكعبِ.
حتّى تُؤَنِّبَني:
أنتِ يا بنتُ! حَسبُكِ!
لكنّني لستُ أقدِرُ حتّى وقد أنَّبَتْني
على صدِّ عيني.
هي الآنَ تهبطُ، تنزلُ في النهرِ، تتبعُ حُلمي...
أنا الآنَ أجلسُ بالشَّطِّ مثلَ حصاةٍ...
فيا أيّها الماءُ قُم وابتلعني!
لعلَّ التي سقطتْ في هواكَ تراني.
لعلَّ التي سقطتْ في هواكَ ترى أيُّ كربٍ تلبَّسني واعتراني.
لعلَّ التي سقطتْ تتبدَّى لعيني،
تُعَنِّفُني أو تُخَوِّفُني لا أبالي.
أرى مِن مكاني بريقَ البيوتِ؛ النوافذُ تُفتَحُ.
والساكناتُ هناكَ يقمنَ من الكسلِ الموسميِّ،
يقمنَ من النومِ في عسلِ الحُلمِ، من ضجعةِ الظُّهرِ...
يا حارساتِ الجَمالِ تعالينَ!
يا حارساتِ البيوتِ تعالينَ!
يا حارساتِ القلوبِ تعالينَ!
يا حارساتِ الندى والسلامِ تعالينَ!
ناشدتُكُنَّ بربّي! تعالينَ؛
أدرِكنَ غارقةً في المياهِ، وغارقةً في الهوى.
مِن مكاني أرى ظلَّ بيتي طويلاً طويلاً،
ويبلُغُني حيثُ أجلسُ، يشبهُ حبلَ نجاةٍ.
رُوَيْدَكِ!
ما أنتِ؟!
كيفَ خرجتِ؟ وكيفَ ارتديتِ سريعًا ثيابَكِ؟
كيفَ على ذلكَ الشَّعرِ نهرٌ من الشعرِ شَعرُكِ
أحكمتِ طَيَّ حجابِكِ؟
بل كيفَ أفلَتَكِ النهرُ؟ كيفَ؟
أليسَ لهُ أن يكونَ حكيمًا؟
لماذا يُفَرِّطُ في قمرٍ عائمٍ ذلكَ الكهلُ؟ ...
لكنّني لم أقلْ أيَّ شيءٍ. وفكَّرتُ في كلِّ شيءٍ.
وفي صفحةِ العينِ، عيني التي تشتهي، قلتُ ما لم أَقُلْهُ.
"إذن أنتِ حالمةٌ"
هكذا خاطبتْني.
"إذن أنتِ حالمةٌ"
كرَّرتْ قولَها، أربكتْني. ومالتْ إلى وجنتي، قبَّلتْني.
ومالتْ إلى شفتي، قبَّلتْني...
وقالتْ:
"إذا شئتِ أن تعرفي مَن أنا بادليني بهاتينِ عينيكِ"
كانت تحيطُ بكفَّينِ من مَرمَرٍ:
وردتينِ (شقائقَ نعمانَ).
عينينِ رائعتينِ لنهرٍ رأى كلَّ شيءٍ،
وما زالَ نهرًا سعيدًا!
وأسماكَ نهرٍ.
"بكأسيْ شقائقِ نعمانَ ماذا أرى؟"
قلتُ.
فابتسمتْ.