ذلكَ المَحوُ لم يُجدِ.
لم يُجدِ إلّا كما أفلحتْ هبَّةٌ للنسيمِ بمحوِ العمارةِ...
لم يُجدِ؛
أمسكتُ نفسي أفكِّرُ، أذكُرُ،
أدعو الشياطينَ تلكَ التي قيلَ أنّ التفاصيلَ مَسكَنُها...
آهِ آهٍ مِن الوَجدِ، مِن لوعةِ القلبِ،
مِن لذَّةٍ للمُنى والتذكُّرْ.
يا بصيرُ، ويا راحمَ المُبتلى...
قُدْ قطيعَ الظباءِ إلى النبعِ كي يغتسلنَ،
وقُدْ ذكرياتي جموعًا جموعًا إلى طُهرِ أيامِهنَّ الأُوَلْ.
نَقِّ رأسيَ من همسةٍ خادعةْ
خُذهُ من شمسِهِ الساطعةْ...
للظلالِ؛ ليرتاحَ.
إنّي ولا أعلمُ الآنَ إن كانَ ما مِن خيوطٍ مزيَّفةٍ
أو كَذِبْ
أذكرُ اللحظاتِ التي كدتُ فيها أطيرُ،
وقد قُدتُ شيخًا ضريرًا إلى بيتِهِ، وشردتُ...
ففاجأنا جذعُ كافورةٍ مُنتَصِبْ.
"آااهِ"
هل قالها الشيخُ أم قُلتُها؟ ثُمَّ أسلمتُ رجليَّ للركضِ
حتّى انتشيتُ لأنّي استطعتُ الهربْ.
إنّهُ قالَ وهْوَ يموتُ،
وكفّايَ مطبقتانِ على كفِّهِ: تذكرينَ؟
وقلتُ: نعم.
قالَ: أنتِ ركضتِ،
فخِفتُ عليكِ الوقوعَ، وناديتُ باسمكِ،
لم تسمعي.
قلتُ: كنتُ ابتعدتُ.
فصدَّقَ قولي: نعم. لم تعودي إلى أن كَبِرتِ،
وقلبُ الضريرِ انثقبْ.
"سيّدي!" قلتُ
"صَفحًا جميلاً"
هل صعدتُ لأُثبِتَ شيئًا وأمحوَ؟
أم هل صعدتُ لتتبعَني الكارثةْ: عينُهُ الحارسةْ؟
قامَ كي يحملَ المقعدَ الخشبيَّ بجسمي الضئيلِ ويرفعَهُ،
فانتبهتُ، غَضبتُ، ووَبَّختُهُ...
كانَ في أوّلِ العمرِ،
كنتُ كذلكَ في أوّلِ العمرِ...
لكنّني النارُ وهْوَ مياهٌ:
ترقرقَ في خِزيِهِ وانسحبْ،
وأنا مثلَ أيّةِ نارٍ توقَّدتُ، أستنفدُ الجمراتِ احتراقًا،
وأغضبُ كلَّ الغضبْ.
يا سماءُ احتجبتُ فلا تفضحيني!
ويا قَدَمي، يا عمادي، اثبتي في خُطاكِ ولا تخذليني!
صعدتُ على الجذعِ، هل أبصرَ الطيرُ جسمي؟ بتاتًا،
ولا الجنُّ.
عرَّيتُ حاملةَ التينِ من تينِها (لم يَطِبْ)
ثُمَّ في موضعي، وبجُرمي، كُشِفتُ،
فأقررتُ:
زوجٌ مِن الطيرِ سَبَّبَ هذا.
فقالتْ مُمازِحَةً: ذاكَ طيرٌ خبيثٌ...
يُجازيهِ بالمَغَصِ المعويِّ.
وحقًّا أُجيبَ الطلبْ!
آهِ.
قد تسلكُ الذكرياتُ مسارًا كئيبًا:
مسارَ الخماسينِ، والموتِ بالسرطانِ، ومدِّ يدي للهواءِ،
لرُوحٍ مضتْ في الهواءِ، ومدِّ يدي للكفنْ
آااهِ...
فابقَيْ هنالكَ أيّتها الذكرياتُ، منوَّمَةً، تَمَّحِينَ...
وأنتِ تعالي هُنا يا شروري الصغيرةَ،
حيثُ أنا طفلةٌ لا تعي الموتَ،
يسألني الناسُ إن صادفوني:
أيا حبَّةَ اللوزِ، مَن أنتِ وابنةُ مَنْ؟
حَذّرونا مِن الغرباءِ...
لذا لا أُجيبُ، وأمشي، وأقفزُ في خُطُواتي برقصٍ،
كأنّي مَلَكتُ الزمنْ.