ماذا يؤرخ في رمادي موقِدُ؟
ودمي سؤال، والشواهد جلْمُدُ!
أنا والنحيب توأمان، هنا ارتمى
أمس يموت، وفي مقابرنا غَدُ
نقتات هذا الصمت نسحق عظمه
ونقول: يا وجع الرياح.. سنولَدُ!
خذني إليّ.. فما رأيت نهايتي
إلا وأطراف البداية توْصَدُ
أمشي، ويمشي الميت فيّ كأننا
شعب نسيج لغاتِهِ لا يسجُدُ
يا صاحبي العبثي.. هل جئنا معاً؟
أم أنني نحْبٌ وأنت المفْرَدُ؟
رأسي منافٍ، والحروف خناجرٌ
عمياء، في كبد الخريطة تصْعَدُ
ما زلت أبكي، لا لأني خائفٌ
بل للذي فوق المشانق يصْعَدُ
ولأن هذا الحزن يصبح عندنا
ديناً، وكل النازفين تعبَّدُوا!
نبكي، ونضحك من جنازة عقلنا
هذا النحيب هو الصمود الأوْحَدُ
تمشي المهازل في شوارع جوعنا
خيلاء، والتاريخ شيخٌ يقْعُدُ
ويقول سادتنا: رغيفكمُ غداً
فنموت من شبعٍ.. ولا نتردَّدُ!
يا أيها الباكي المعجون في دمي
من جفف الأنهار حتى نجمُدَ؟
أنا والنحيب هنا نخيط جلودنا
سُقُفاً لمن لم يلقَ سقفاً يعْهَدُ
ونصيح في أذن المدافع: هل لنا
وطنٌ سوى هذا الشظى المتعدِّدُ؟
تعبت حناجرنا، وأسياف العدى
تعبت، وما تعب الفساد الأمْجَدُ
لا تبكِ يا نحبي على نعش المنى
فالموت أقصى ما يكون الموْعِدُ
سنظل نحفر في الجدار بأظفُرٍ
مقطوعةٍ.. حتى يضيء المرْقَدُ
ونقول لليل البهيم وإن طغى:
إنا على أشلائنا نتوسَّدُ!