عهدَ الصِّبا مني إليكَ سلامُ
ما أشرقتْ شمسٌ وحلّ ظلامُ
أنتَ الحياةُ وما تلاكَ مجانةٌ
أنتَ الضياءُ وما عداكَ قتام
أنتَ النعيمُ وكلُّ عمرٍ ذاهبٌ
في غير ظلّكَ شقوةٌ وغرام
ليت المنيّةَ أدركتني قبلما
تمضي وتُخلِق جِدّتي الأيام
وأروح من عيشي بأبخس قسمةٍ
ويفوز بالعيش الرغيدِ لئام
وتموتُ آمالي ويذبل غَرسُها
وتطير عنه بلابلٌ وحَمام
أسفي عليكَ مُلازمي وتَمتّعي
بالعيش بعدكَ ما حييتُ حرام
مرّتْ سِنوكَ مرورَ طيرٍ سانحٍ
وتضاءلت فكأنها أحلام
لم يُبقِ منها الدهرُ غيرَ بقيّةٍ
هي ذكرياتٌ ما لهنّ دوام
هي ذكرياتٌ كالطلول تقادمتْ
ولسوف تمحو رسمَها الأعوام
خَلّقتني غَرَضاً لكلّ كريهةٍ
لا تستطيع لقاءها الأهرام
وتركتني بين الهمومِ مُوزَّعاً
ككُريّةٍ ترمي بها الأقدام
أنا من حياتي مثلُ راكبِ زورقٍ
فوق المحيطِ تنوشه الأوهام
أو ريشةٍ عصفتْ بها في مهمهٍ
هوجاءُ تخشى بأسَها الأعلام
أو مُدلجٍ في غابةٍ تعوي بها
نُكْبُ الرياحِ ويزأر الضرغام
في ذمّة الرحمنِ يا عهداً مضى
وحوادثُ الأيامِ عنه نِيام
قد كنتُ عنكَ وعن جمالكَ غافلاً
ألهو وهل يزن الحياةَ غلام
هو قطعةٌ منها تعجُّ بصخبها
وبصوته تَتجاوب الآكام
والطيرُ من فرحٍ به يشدو على
أغصانِه وتَفتّحُ الآكام
بين الرياضِ تراه طولَ نهارهِ
جَذِلَ الفؤادِ وثغرُه بَسّام
يجري هنالك هائماً كفراشةٍ
يرنو لها زهرٌ زها وبَشام
ويخوض غُدراناً تَرقرقَ ماؤها
وزلالُها في راحتيه مُدام
في رفقةٍ يلهون دون تكلّفٍ
وكأنهم في لهوهم آرام
أبكيكَ يا خيرَ العهودِ بلوعةٍ
أسفاً عليكَ وما عليَّ مَلام
أبكيكَ بالدمع الهتونِ وفي غدٍ
تبكيكَ مني في التراب عظام
يا أسعدَ الأوقاتِ دمتَ مُمجَّداً
ما دامتِ الأفلاكُ والأجرام
وسقى عهودَكَ صوبُ كلّ غمامةٍ
ما لاحَ في جوّ السماءِ غمام
ورعى الإلهُ بحفظه من قال يا
عهدَ الصِّبا مني إليكَ سلام