هَل طُوِّعَ القَلبُ العَصِيُّ البَلقَعُ
عَهْدِي بِهِ صَعبُ الخَلِيقَةِ أَصْمَعُ
لَمْ يَعْتَلِقْ طِيبَ الصَّبَابَةِ رَاهِبًا
كَالشَّيْخِ يُقْصِيهِ الحَيَاءُ وَيَرْدَعُ
قَد أَوْرَدَت لِينَ الفُؤَادِ غَزَالَةٌ
فَغَدَى أرَقُّ مِنَ النَّسِيمِ وَأَوْدَعُ
مَرَّتْ بِهِ مَرَّ السَّحَابَةِ قَاحِلًا
حَتَّى أَكَلَّتْ وَهْوَ رَوْضٌ أَمْرَعُ
أَذكَتْ بِهِ نَارَ الهُيَامِ تَأُزُّهُ
فَأَرَاهُ يَصْغَى لِلحَبِيبِ وَيَخْشَعُ
مَا زَالَ تُسقِيهِ الصَّبَابَةَ لَاهِيًا
كَالنَّبْعِ فِي كَفِّ الصَّناعِ تُمَظِّعُ
بَلِيَ الوَقَارُ وَقَد كَسَتْهُ مُحَبَّرًا
وَرَوَتْهُ مِن طَيشٍ فَمَا يَتَوَرَّعُ
يَا قَلبُ مَالَكَ قَد عَهِدْتُكَ كَيِّسًا
أَنَّى رَضِيتَ سَجِيَّةً لَا تَنْفَعُ
هَل يُتَّقَى بَدْرُ المَسَاءِ بِنَاظِرٍ
أَم يُهْتَدَى فِي دَجْنِ بِيدٍ مَوْضِعُ
لَا مُتْلِفًا كَالحُبِّ يَطْرُقُهُ الفَتَى
يُؤْتَى بِهِ سُبُلَ الهَلَاكِ فَيُدْفَعُ
كُلُّ الصَّبَابَةِ أَنْ تَكُونَ مُعَذَّبًا
تُكْوَى بِوَجْدٍ أَو بِصَرْمٍ تُفْجَعُ
وَإِذَا رَمَتْكَ مِنَ الظِّبَاءِ مَلِيحَةٌ
فَلَقَد أَتَتْكَ مِنَ الصَّبَابَةِ أَرْبَعُ
وَصْلٌ فَصَدٌّ فَاسْتِعَارُ حُشَاشَةٍ
فَطَويلُ هَجْرٍ أَنْتَ فِيهِ تَنَزَّعُ
فَكَأَنَّمَا نَفسُ المُحِبِّ إِذَا هَوَتْ
تَرْضَى بِمَا دُونِ القَلِيلِ وَتَقْنَعُ
حَتَّى إِذَا أَمِلَ الفُؤَادُ وَجَدْتَهُ
طَيْفًا تَزَاوَرُ لَا تَصِلْهُ الأَذْرُعُ
وَإِذَا تَمَطَّى اللَّيلُ وَانْقَطَعَ الرَّجَا
عَجِلَت أَمَانٍ وَاسْتَهَلَّتْ أَدْمُعُ
وَلَقَد يُلَقَّى اللَّيلُ بَعْضَ شِكَايَتِي
فَكَأَنَّ إِنْسًا قَد أَرَاهُ وَيَسْمَعُ
ضَنَّتْ أُمَيْمَةُ بِالنَّوَالِ وَقَد غَدَتْ
أَيَّامَ نَائِلِهَا السُّلَافُ الأَرْفَعُ
بَهْنَانَةٌ مِكْسَالُ ذَاتُ تَمَائِمٍ
عَذْرَاءُ تَزهَى بِالنَّضَارَةِ تَشْمَعُ
وَبِحَاجِبٍ كَالنُّونِ أَلِقٍ فَاحِمٍ
تَعلُوهُ مِن جَثْلٍ أَثِيثٍ أَفْرُعُ
أَدمَاءُ رُؤدٌ تَستَبِيكَ بِوَاضِحٍ
عَذْبِ الثَّنَايَا نَشْرُهُ يَتَضَوَّعُ
تَعطُو بِمَخضُوبِ البَنَانِ كأَنَّهُ
أَلطَافُ عَاجٍ بِالحُلِيِّ مُرَصَّعُ
إِنْ تَنْطِقِ الكَلِمَ الأَصَمَّ حَسِبْتَهُ
أَنَّاتِ نَايٍ أَو حَمَائِمَ تَسْجَعُ
مَا أَنْسَ مِلْأَشْيَاءِ مَيَّةَ مِنْكُمُ
لَا أَنْسَ قِيلًا أَنَّنَا لَا نَرْجِعُ
قَالَتْ تُنَاظِرُ حَولَهَا فِي رَعْشَةٍ
إِنِّي أُحِبُّكَ مَا بِغَيرِكَ مَطْمَعُ
فَاقصِرْ لِعَينِ الحَاسِدِينَ وَشَايَةً
وَاطلُبْ لَنَا فِي كُلِّ خَيرٍ مَرْبَعُ
يَفشُو الكِذَابُ إِذَا غَذَتْهُ يَدُ الأُلَى
يَرْجُونَ حَبلَ الوُدِّ فِينَا يُقْطَعُ
وَلَقَد أُسَرُّ إِذَا تَكَلَّمَ شَامِتٌ
أَنْ قَوْلَهُ الاِسمَيْنِ مِنَّا يَجْمَعُ
إِنْ كَانَ جَهلُ العَقلِ فِي نَزَوَاتِهِ
فَالقَلبُ مِنْ مَاءِ الهَوَى مُتَضَلِّعُ
وَإِذَا ارتَوَى قَلبُ المُحِبِّ صَبَابَةً
فَهُوَ السَّخِيُّ إِذَا أَمَرْنَ الطَّيِّعُ
وَمِنَ المَحَبَّةِ مَا يَعِيشُ مُعَمِّرًا
فِي القَلبِ رَهْنٌ وَالأَحِبَّةُ وَدَّعُوا