تخطَّ إلى المحتوى

الكل يبدأ من عندي ويتبعني

غير معروف

٦٢ بيت

الحماسة

الكُل يبدأ من عندي ويتبعُني

والكل يأخذ مِن خطوي ويبتعدُ

كانوا جميعًا يُغنّون الذي ورثوا

وكنتُ ألتمس المعنى الذي فقدوا

وكنت أخترع الذوق الجديدَ

على ذوقي

فأثْبتُ ما أهوى، وأنتَقدُ

وكنتُ أحفر أنهارًا جرت أبدًا

فأقبلت نحوها الأنهارُ ترتفدُ

كانوا جميعًا وكنتُ الفردَ في دمِهِ

يغلي

فيُحْدثُ صوتًا غير ما عهدوا

ويستجدٌّ مزاجًا غير ما ألِفوا

ويُبلغ الفن شأوًا فوق ما صعدوا

(إن كنت اسامحْ)

وغنتها التي انفردت بها

فصارت بملك الفن تنفردُ

فبات تحت ثراها كل مطربةٍ

وعاش تحت ذراها الناس والبلدُ

أعجوبة الله في صوتٍ وحنجرةٍ

وآية الله إن شكّوا وإن جحدوا

وحُجة الله إن يُشركْ به أحدٌ

وإنها لدليلٌ أنه الأحدُ

لكنها بنتُ تعليمي وصَقلُ يدي

ولي عليها وإن طال الزمان يدُ

لقد تلقيتُها عفراءَ ساذجةً

تحت العِقال تُغنّي حولها لِبَدُ

تُلقي التواشيحَ في ترديد إخوتها

فتُعجب الناس أحيانًا وتُنتقدُ

فباشرَتها يدي نحتًا بخامتها

صوتًا فُتونًا

وإعجازًا له جسدُ

وبِتُّ أصقلُ في إفريز رنّتها

وكلما زدتُ فيه لاح لي مددُ

حتى جلَتها يميني كوكبًا ألقًا

في الشرقِ

يطلع من أنواره الأبدُ

إذا شدَت لم يبت في العُرب مستمعٌ

إلا إليها

وإن آهَت هوًى وجِدوا

وإن أتت بارتجالٍ غير متفقٍ

عليهِ

ضجّوا بها مِن سحر ما وجدوا

ورُحتُ أعصر أعنابي لأفْرغها

في صوتها خمرةً بالروح تتقدُ

تنساب منها على نُدمانِ حفلتها

صفوًا

ومِن نقراتي فوقها زبَدُ

(رق الحبيبُ)

ورق الكونُ حين شدت

بها

فما فيه إلا عاشقٌ سَهِدُ

تناولتها ملايينٌ فأسكرهم

كرمي

وأنساهمُ كل الذي شهدوا

وبعدما أفرغَتها في جوانحهم

هاموا فلا أدركوا صحوًا ولا رقدوا

لأنها بدلتهم من منابتهم

وغيرت فيهمُ كل الذي اعتقدوا

لكنني بعدها

لم أدرِ ما صنعت بي

ما الذي مسني

هل صابني حسدُ؟

ماذا تَبدلَ مِن فني فبدّلهُم

حتى تفرَّقَ عني الحشدُ والعددُ

وكيف بات جديدي غيرَ محتفَلٍ

به

يتوق لإعجابٍ فلا يجدُ!

وكيف لا يدرك الجمهور أخيلتي!

وأنني عبقريُّ الفن منفردُ

وكيف يفشلُ لي لحنٌ

تعبتُ له دهرًا!

فيملأ روحي الشك والنكدُ

وكيف يصبح أقرانٌ سبقتهمُ

بالأمس

قد سبقوني الشوطَ وابتعدوا

هذا (المجدد) ماضٍ في تجاربه

و(صاحب الشعر) سيالٌ به الخَلَدُ

قد استقل بها من بعد ما خلصَت

لي حقبةً

كنتُ أبنيها وأجتهدُ

واليوم صار إليه كل مرجعها

وصار لي نقرُ ما يُملي ويعتمدُ

وما لها أخرتني بعد ما سبقت

بي كلَّ شاديةٍ يُصغي لها أحدُ!

وكيف يُبعَدُ مثلي عن صدارتها

وكيف جانبها في أمريَ الرشَدُ!

ولي عليها جميلٌ خالدٌ أبدُ

وليس كل الذي قد أحسنوا خلَدوا

لأنّ كل جليلٍ في مسيرتها

أنا الأساس الذي علّاه والوتدُ

فكيف تُسند لي لحنًا وتنقله

إلى سوايَ

كأني جلمدٌ جمِدُ!

أم أن بئريَ جفت بالعطاء

ولم

تعُد بغير سرابٍ خادعٍ تعِدُ

قد عشتُ أُطعم زرعي كل ذي سببٍ

واليوم قد زرعوا دوني وقد حصدوا

يُقال إنّ رياضًا مُشبِعٌ طرَبًا

عني

وإن صياغاتي بها عُقَدُ

وإنّ لي نغمًا بالفكر مثقلةً

تبدو عليها خطوط الذهن ترتصدُ

وإنّ ما فات حسبي

وانقضى زمني

والآن فنٌّ جديدٌ، فتيةٌ جُدد

كلا!

لقد كذبوا في كل ما زعموا

عني

وقد أخطؤوا في كل ما قصدوا

أنا الجديد الذي ما زلتُ ألهمهم

وليس يقطع إمدادي لهم أمدُ

لو أنهم أمكنوني من غنائهمُ

لكنتُ أروي بفني كل من يَردُ

لكنه طال عهد بالذي صنعوا

وبي

وطال علي الهجر والجَلَدُ

وصرتُ لا أنا في الأخبار مرتقَبٌ

شأني

ولا أنا في الأسماع مفتقَدُ

والآن تشدو لشُبانٍ

وإن نبغوا

مِن بعد ما غردت لي حقبةً وُلدوا

والآن غنت لوهّابٍ حداثته

حتى الخصوم القدامى دونيَ اتحدوا

(أمل حياتي) (بعيد عنك) وغيرهما

وليس لي بينها بنتٌ ولا ولدُ

وبات فنيّ تاريخًا له كتبٌ

وبات ذكري أخبارًا لها سندُ

ولم يعُد ليّ..

حتى العود مِن زمنٍ

ما عاد تحت يمين الشيخ يرتعدُ

لو أنّ سيدَ درويشًا أطال به

عُمرٌ

أكان يلاقي مثل ما أجدُ!

لو أنني مثله فارقتُهم عجِلًا

لقدسوني

وهذا حظ من فُقدوا

لو أنني زكريا حين راح بها

إلى المحاكم لاهتموا ولاجتهدوا

لو أن أخت فريدٍ لم تمت غرقًا

لكان لي عندها مأوًى ومُستندُ

لو أنه حُلُمٌ هذا الذي أجدُ

لو أن.. أثقل روحي ذلك الكمدُ

والآن نسمع من لبنان مطربةً

جديدةً صوتها قُمريةٌ غَرِدُ

لها رجالٌ

لهذا لا تفكر بي

فإنني صرتُ نِسيًا ما له أحدُ

وكلهم من يميني تلك مغترفٌ

وكلهم فوق ظهري ذاك معتمدُ

وعند كل بناءٍ أنت ناظرُهُ

تبدو القبابُ وتخفَى تحتها العمدُ