دَخَلْتُ…
وَلَمْ يَكُنِ الدُّخُولُ خَطْوَةً
بَلْ ظَلَّ انْكِسَارِي
عَلَى أَرْضٍ لَا تَعْرِفُ اسْمِي
فَحَمَلْتُ قَلْبِي أَمَامِي
كَجُرْحٍ مَكْشُوفٍ
وَكَأَنَّنِي أَخْشَى
أَنْ أُضِيَّعَهُ فِي الطَّرِيقِ
أَوْ أَنْ يَرَانِي
حَارِسُ أَنْهَارِي
جَلَسْتُ،
وَكَانَ الْمَكَانُ أَضْيَقَ
مِنْ صَدْرِي
وَأَوْسَعَ مِنْ قُدْرَتِي عَلَى الْبُكَاءِ
كُلُّ شَيْءٍ كَانَ ثَابِتًا
إِلَّا احْتِرَاقِي
وَنَارِي
جَلَسْتَ قُبَالَتِي…
لَا قَرِيبًا كَيْ أَطْمَئِنَّ
لَا بَعِيدًا كَيْ أَنْجُوَ
الْمَسَافَةُ بَيْنَنَا
كَانَتْ ذَاكِرَةً وَاقِفَةً
تَحْمِلُ مَا لَمْ يَحْدُثْ
وَمَا حَدَثَ
أَكْثَرَ مِمَّا يُحْتَمَلُ
بِسَيْفِ دِثَارِي
عَيْنَايَ سَبَقَتْنِي إِلَيْكَ،
ثُمَّ عَادَتَا خَائِبَتَيْنِ
كَطِفْلَتَيْنِ
لَمْ تَجِدَا
شِفَاهَ الْحِوَارِ
كُنْتَ هُنَاكَ
لَكِنْ لَيْسَ مَعِي
وَلَا فِي
جِوَارِي
الضَّوْءُ فَوْقَنَا…
لَمْ يَكُنْ ضَوْءًا
بَلْ مَسَاءً مُتْعَبًا
مُعَلَّقًا فِي سَقْفِ
الْقَرَارِ
أَصْفَرَ كَشَيْخُوخَةِ الْحَنِينِ
يَرْسُمُ وُجُوهَنَا
أَقْدَمَ مِمَّا نَحْنُ
وَيَكْشِفُ فِينَا
مَا نُحَاوِلُ إِخْفَاءَهُ
بِسِتَارِي
الظِّلَالُ عَلَى الطَّاوِلَةِ
كَانَتْ مُتَبَاعِدَةً
كَأَنَّ حَتَّى أَشْبَاحَنَا
رَفَضَتِ اللِّقَاءَ
وَلَاذَتْ بِالْفِرَارِ
نَظَرْتُ إِلَيْكَ…
نَظْرَةً قَصِيرَةً
كَأَنَّهَا تَعْتَذِرُ
ثُمَّ تَنْسَحِبُ
خِفْتُ أَنْ أُطِيلَ
فَأَرَى الْحَقِيقَةَ كَامِلَةً
كَوَحْشٍ عَارِ
وَخِفْتُ أَنْ أُشِيحَ
فَأَخْسَرَكَ لِلْأَبَدِ
عَيْنُكَ لَمَسَتْنِي
ثُمَّ تَرَاجَعَتْ
كَأَنَّهَا قَالَتْ..
مَا عُدْنَا نَصْلُحُ
لِهَذَا الْقُرْبِ
وَلَا لِهَذَا
الْحِوَارِ
الدُّمُوعُ…
لَمْ تَنْزِلْ
كَانَتْ مُهَذَّبَةً أَكْثَرَ مِنَ اللَّازِمِ
جَلَسَتْ فِي عَيْنَيَّ
تَلْمَعُ
وَتَكْتُمُ صَوْتَهَا
كَأَنَّهَا تَعْرِفُ
أَنَّ سُقُوطَهَا
سَيَكْسِرُ مَا تَبَقَّى مِنِّي
بِانْتِظَارِي ..
ابْتَلَعْتُهَا بِبُطْءٍ
وَتَرَكْتُ طَعْمَ الْمِلْحِ
يَحْرِقُ صَدْرِي
وَيَشْتَعِلُ
بِقَرَارِي
فِنْجَانُ الْقَهْوَةِ…
كَانَ بَيْنَنَا
قَلْبًا أَسْوَدَ
لَا يَدُقُّ
أَمْسَكْتُهُ
لِأُخْفِيَ ارْتِجَافِي
لَا لِأَشْرَبَ..
آثَارِي...
وَأَنْتَ حَرَّكْتَ الْمِلْعَقَةَ
فَارْتَطَمَ الصَّوْتُ
بِصَدْرِي
كَأَنَّهُ يَقُولُ..
نَحْنُ هُنَا
لَكِنَّنَا لَسْنَا
فِي قَلْبِ الدِّيَارِ..
الصَّمْتُ…
لَمْ يَكُنْ فَرَاغًا
بَلِ امْتِلَاءً خَانِقًا
جَلَسَ مَعَنَا
وَفَتَحَ أَلْبُومَ الذِّكْرَيَاتِ
دُونَ إِذْنٍ
كُلُّ “لَوْ” مَرَّتْ
وَكُلُّ “كَانَ”
جَلَسَتْ تَبْكِي
عَلَى طَاوِلَةِ الْقَرَارِ..
وَأَنَا
أَضْغَطُ شَفَتَيَّ
كَيْ لَا أَقُولَ
مَا يُعِيدُنِي
مِنْ أَسْفَارِي
ابْتَسَمْتُ…
ابْتِسَامَةً لَا تَخُصُّنِي
بَارِدَةً
مُسْتَعَارَةً
تَلِيقُ بِغَرِيبَةٍ
تَجْلِسُ أَمَامَ غَرِيبٍ
تَعْرِفُهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي
وَفِي دَاخِلِي..
صَفِيرُ قِطَارِ..
كَانَتْ فَتَاةً صَغِيرَةً
تَشُدُّ ثَوْبِي
وَتَسْأَلُ..
لِمَاذَا لَا تَصْرُخِينَ..
فَهَذَا حُبُّ انْتِظَارِي
أَسْكَتُّهَا
لِأَنَّ الصُّرَاخَ
يَكْشِفُ اللَّيْلَ
وَيَفْضَحُ
نَهَارِي
نَهَضْنَا مَعًا…
وَكَأَنَّ النِّهَايَةَ
كَانَتْ تَضْبُطُ السَّاعَةَ
مُنْذُ الْبِدَايَةِ
لَا وَدَاعَ
فَالْوَدَاعُ اعْتِرَافُ
الْحِوَارِ..
وَنَحْنُ
لَمْ نَعُدْ نَمْلِكُ
شَجَاعَةَ الِاعْتِرَافِ
وَلَا الْقَرَارِ
خَرَجْتُ،
أَجُرُّ ظِلِّي
وَأَتْرُكُ خَلْفِي
كُلَّ مَا لَمْ يُعَشْ
يَحْتَرِقُ
بِصَمْتِ السِّوَارِ
الآنَ…
أَمْشِي
وَلَا شَيْءَ يَمْشِي مَعِي
سِوَى الصَّمْتِ
يَبْكِي
يَتَنَهَّدُ لِقَلْبِي
وَيَهْمِسُ بِأَخْبَارِي
تَعَلَّمْتُ أَنْ أَخْتَبِئَ
فِي الْعُمْقِ
أَنْ أُغْلِقَ فَمِي
كَيْ أَبْقَى
أَنْ أَعِيشَ
بِنِصْفِ قَلْبٍ
وَنِصْفِ امْرَأَةٍ
وَنِصْفِ نَجَاةٍ
بَعِيدة عَنْ
دِيَارِي