عِشْرونَ رَجَبَ، وافى الزمانُ بمأتمٍ
بهِ وُلدتُ حيًّا، ثم أطفأني الأسى
تقاسَمَ يومي بينَ صرخةِ مولدٍ
ونعشٍ عليهِ القلبُ قد خَفَقَ انطِوَا
أماهُ، يا نبعَ الحنانِ إذا سرى
قحوطُ الليالي، واستبدَّ بنا الظما
أكنتِ إذا ما ضاق صدري ملاذَهُ
وإن خانني صبري وجدتُكِ مُلتجى
وكنتِ دعائي قبلَ لفظي آيةً
وصوتي إذا ما عيَّ صوتي والتوى
إذا ما دهتني الحادثاتُ وجدتُني
إليكِ ألوذُ، لا إلى غيرِكِ انتمى
رحلتِ، فصارَ الدربُ بعدكِ موحشًا
وصارَ الأمانُ المؤنسُ المرتجى
فيا وحشةَ الأيامِ من بعدِ أمِّنا
ويا قسوةَ الدنيا إذا الأمُّ غُيِّبا
أأنمو وتكبرُ بي السنونُ وإنني
يتيمٌ إذا ما مسَّ قلبي ما أذى
كبرتُ، ولكن دون أمٍّ كأنني
غصنٌ نما، لكنْ بلا ظلِّه نأى
أُقَلِّبُ أيّامي فأبصرُ وجهَها
إذا ضحكتْ نفسي، وإن دمعي جرى
عِشْرونَ رَجَبَ… ما عاد يومَ ولادتي
ولكنَّهُ جرحٌ على القلبِ ما انطوى
بهِ ذُقتُ أوّلَ مرِّ فقدٍ، فعرفتُ ما
يكونُ اليتيمُ إذا استباحَهُ الأسى
فيا ربُّ هذا حكمُكَ العدلُ فارتضى
فؤادي، وإن كانَ الرضا مُلتوَى
فصبِّرْ فتىً قد عاشَ نصفًا بفقدِها
ونصفًا على أملِ اللقاءِ إذا دُعَا
وأكرمْ مقامَ الأمِّ في الخلدِ روضةً
يطيبُ بها النعيمُ ويزهو المُلتقى
وسَلْها إذا وافَتْ جنانَكَ آمنةً
دعاءً لولدٍ بعدها قد تيتَّما
فما طابَ عيشٌ بعدَ أمٍّ، وإن مشى
الفتى بينَ قومٍ، كان قلبُهُ مُنفردا
إذا ذُكِرَتْ هانَ العظيمُ بفقدِها
وصَغُرَتِ الدنيا، وإن كانتِ المدى
فإن متُّ يومًا، فاجمعِ الروحينِ في
رضاكَ، فذاكَ الفوزُ إن جادَ المُنى
وسلِّمْ عليها في الخلودِ تحيّةً
تليقُ بأمٍّ علّمتني السُّجُدا