أذْهبَ الحبْرُ بياضَ الورقِ
بعباراتِ اليَراعِ الغيْدَقِ
فجَرَتْ تشْكوهُ للقاضي وقدْ
لفَّها الجوْنُ بديلَ اليَقَقِ
وعَلا الحزْنُ محَيّاها كمَنْ
فقَدَتْ إلْفاً بهِ لنْ تلْتَقي
جلَسَ القاضي على كرْسيِّهِ
ودَعا الخصْمَيْنِ تحْتَ البيْرَقِ
أيُّها الخصْمانِ ما خطْبُكُما
حدِّثاني بلسانِ المَنْطقِ
أقْسِما باللهِ ألّا تنْطِقا
غيْرَ بالحَقِّ شَهيدِ الموْثِقِ
سيِّدي القاضي لقدْ شوَّهَني
بمِدادِ الخرْبَشاتِ المُهْرَقِ
كنْتُ بيْضاءَ يُوافيني السَّنى
قُبَلاً فوْقَ جبيني المُشْرقِ
أنا أسْنانُ الأقاحي وضَحاً
وزُها الفلِّ وتاجُ الزَّنْبقِ
وهْوَ ريشاتُ غُرابٍ لا يَني
يجْلِبُ الشُّؤمَ وإنْ لمْ ينعقِ
وهْوَ ليْلٌ قبَعَتْ أسْرارُهُ
خلْفَ أسْتارٍ تَشي بالأرَقِ
نظرَ القاضي إلَيها باسِماً
علَّها تُطْفِئُ نارَ الحُرَقِ
هدِّئي روْعَكِ لاتَنْفعلي
لنْ تَضِلّي عندَنا أوْ تفْرَقي
أوْمأَ القاضي إليْهِ قائلاً:
هاتِ ما عندَكَ حقّاً واصدُقِ
سيِّدي القاضي فإنّي قلَمٌ
زادُهُ الحِبْرُ عشيقُ الوَرَقِ
أرسُمُ الخطَّ به مؤْتلِقاً
دونَ فوْضى غايةً في الأنَقِ
يُقْسِمُ الخالِقُ في القرآنِ بي
رِفْعَةً بالعِلْمِ لا بالخَرَقِ
أنا في أوَّلِ آيٍ نزَلتْ
منْهَجاً في الغارِ ضمْنَ العلَقِ
وأنا أوَّلُ مخْلوقٍ جرى
يكتُبُ الأقْدارَ لم يُستبَقِ
حبْريَ الأزرقُ بحرٌ رائقٌ
وضياءٌ في الفضاءِ الأزرَقِ
بيْنَما الأسْوَدُ ليْلٌ للوَرى
سكَنٌ بعْدَ نَهارٍ مُرْهِقِ
لمْ أكُنْ أقْصِدُ تشْويهاً لها
بلْ لكيْ تُغْدَقَ بالمعْنى النَّقي
أنا عنوانُ شَبابٍ لاحَ في
لِمَّةِ الغُرنيْقِ سَبْطِ المِفْرَقِ
وهْيَ شَيْبٌ للأُلى قد بَلَغوا
أرْذلَ العمْرِ ونُذْرُ القَلَقِ
أنا لوْلايَ لَما صارتْ لدى
قارئِ القرآنِ أجْلى روْنقِ
أنا لوْلايَ لَما بانَ سنىً
بعْدَ ليْلٍ في انْبِلاجِ الفَلَقِ
يرْقُبُ السُّمّارُ حِلّي ليَروْا
روعةَ الأنْجمِ عندَ الغَسقِ
ذكَرَ الشِّعْرُ جَمالي غزَلاً
إنَّني حسْنُ بياضِ الحَدَقِ
أطْرقَ القاضي ملِيّاً قبلَ أنْ
يُصْدرَ الحكْمَ ولمْ يسْتَغرقِ
ثمَّ نحّى جانباً أوْراقَهُ
قائلاً ينْصَحُنا في رفَقِ
أنْتَ محْتاجٌ إليْها مثْلَها
كيْ تُقيما منْهجاً للخُلُقِ
أنْتُما في زوْرقٍ فانْتَبِها
لوُصولِ الزَّورَقِ المنْطلِقِ
فإذا لمْ تحْسِنا إمْرَتَهُ
سوفَ يُفْضي بكُما للغَرَقِ
أنتُما في خنْدقِ العِلْمِ معاً
فأعِدّا لصُمودِ الخنْدقِ
فإذا ضَيَّعْتما مقصِدَهُ
يدْلِجُ الناسُ بليلِ النَّفَقِ
لسْتُما خصْميْنِ لكنْ أنْتما
وَحدَةٌ واحدَةٌ لمْ تفْتَقِ
فإذا فرِّقْتُما لنْ تنفَعا
أحَداً يرْجوكُما كيْ يرْتَقي