إنَّ الكتابَ " نبيٌّ " وحيُهُ فِكَرٌ
في كلِّ حرفٍ لهُ مِنْ غيبِنا نَبَأُ
والعقلُ كانَ ببَدءِ الخَلْقِ منفعِلًا
وكلُّ عِلْمٍ لهُ في الأصلِ مُبتَدَأُ
هذا الوجودُ نسيجٌ مِنْ صنائِعِهِ
إنْ فاضَ عِلْمًا فلنْ ينتابَنا الظّمأُ
لا بدَّ للعقلِ أنْ تسموْ جوانحُهُ
كي لا يعشّعشَ في أفكارِنا الصّدَأُ
لكَ التّحيّةُ أُهديها مُرَتَّلَةً
ففي الكتابِ لبُنيانِ الورى الكَلَأُ
وفيهِ ما نبتغي مِنْ عِزّةٍ ذهبتْ
ومِنْ بهاءٍ غَزاهُ القُبْحُ والحَمَأُ
هُوَ الصَّدِيقُ الّذِي يَرْعَى لِصَاحِبِهِ
مَا مَالَ يَومًا وَلَو كُلُّ الوَرَى صَبَؤوا
هُوَ الأَنيسُ إِذَا مَا الدَّهرُ أَوحَشَنِي
وَغَابَ صَحْبِي وَأَحْبَابُ الفُؤَادِ نَأوا
عُشْرُونَ عَامًا أُبَادِيهِ الجَفَا هَمِلًا
فَمَا شَكَا جَفْوَتِي يَومًا لِمَنْ قَرَؤُوا
لَمَّا رَجَعْتُ لِطَرْسِي حَامِلًا نَدَمِي
أَشَارَ : لَاتَعْتَذِرْ طبْعُ الفَتَى الخَطَأُ
سَالَتْ دُمُوعِيْ عَلَى هَجْرِي لَهُ زَمَنًا
وَكَيْفَ ثَوبُ الوَفَا فِي النَّاسِ مُهْتَرِئُ
يُعْطِيكَ مَا جِئتَهُ مِنْ دُرِّهِ كَرَمًا
مَا رَامَ عَدْلًا وَقُبْحُ المَنِّ مُنْكَفِئُ
يَا رَاجِيًا هَامَةَ العَلْيَاءِ تَرْكَبُهَا
ضِمنَ الكِتَابِ خُيُولُ العِزِّ تَخْتَبئُ
هوَ الكتابُ هُدًى ماضيهِ مزدهِرٌ
ينمو ويحيا على أثمارِهِ المَلأُ
لن تنتهيْ أُمّةٌ مِنْ نبعِهِ شرِبتْ
ومِنْ نأتْ عنهُ أفنى مجدَها الظّمَأُ