يا نَسيمَ الرُّوحِ يا أُنسي وَيا نَبضَ الكَيانِ
يا هَطولَ الشَّوقِ يَبني في حَنايايَ المَباني
ضَاعَ عُمْرِي فِي سَوَادِ اللَّيْلِ حَتَّى قَد تَبَدَّى
مَا لِقَلْبِي فِي هَوَاهُمْ بَعْدَ هَذا مِنْ أَمَانِ
يا مَلاكي طابَ فيكِ اليومَ هذا الارتهانِ
أنتِ خمرٌ قد سَقَتني صِرفَ عِتقٍ في الدِّنانِ
قَدْ كَتَمْتُ الحُبَّ صَبْراً في صِوانٍ لِفُؤادي
مِثْلَ وَحْيٍ طَاهِرٍ يَعلو بِآفاقِ العَنَانِ
إنَّ عَينَيكِ بِيَأسٍ نَامَتَا دَهراً طَويلاً
فَوقَ جَفنِ الخَلقِ طُرّاً فِي مَدا كُلِّ أوانِ
سائِرٌ وَالظِّلُّ يَسْري في نِدائي لِلرَّوايا
وَخَيالُ العِشْقِ يَغْفُو في زَوايا بَوحِ حَانِ
أنتِ في مَجرايَ رُوحٌ صَانَها طُهرُ جَمالٍ
مِثلَمَا يَجري دَمِي في كُلِّ نَبضٍ في الجَنانِ
مَشيُ كفّي في طريقِ الشوقِ مَسعًى قَد بَدا لي
صِيغَ مِن طُهرٍ بقلبي في رِحَابِ ذا المَكانِ
تُصْبِحُ القِصَصُ مِنْ عَيْنَيْكِ نُوراً لِلبَرايا
وَبِفِيكِ العَذْبِ قَدْ ضَاعَ بِصَمْتٍ لِي لِسَانِ
تُنْسَجُ الأَحْلامُ مِنْ عَيْنَيْكِ سِحْراً لِلأَماني
وَيُبينُ اللَّفْظُ مِنْ بَوْحٍ رَقيقٍ ذي لِدَانِ
يَا جَمَالَ الرَّوضِ فِي ثَغرِ المنى يا بَهاءً
يَا سَنَا النُّورِ المُصَفَّى فِي حَنايا ذا الاستكانِ
يا جَمالَ الوردِ إنْ فاحَ شَذاهُ في حُقولٍ
يا نَماءَ النُّورِ في رُوحِي وفي عُمقِ الجِيانِ
ضَمِّيني إِنِّي غَرِيقٌ ضَلَّ دَرْبِي في التَّمادي
زادَ بِي وَجْدٌ وَقَلْبِي غارِقٌ فِي كُلِّ هَوانِ
قَدْ غَدَوْتِ الآنَ لِلْعُشَّاقِ قِبْلَتَهُم جَميعاً
فِي رِحَابِ الْحُسْنِ صَلَّوْا لِلْجَمَالِ البَاذِخِ الدَّانِ
أنتِ صرتِ الآنَ مِحرابَ المُعَنَّى في صَلاةٍ
صِيغَتِ اليَومَ بِشَوقٍ في جَمالٍ رَبَّانِ
يا لهيبَ الرُّوحِ إنْ مرَّتْ بصدري منكَ نَفحٌ
نَسْمَةٌ تُحيي فُؤادي وتُغَذِّي خَفَقانِ
يا فتاةً قد بَنَتْ صرحاً بصدري من خُلُودٍ
مِثلَ بدرٍ قد أضاءَ الكونُ منهُ لِلعَيانِ
يا مَهاةً تُولَدُ الآنَ بِصَدري مِثلَ بَدرٍ
يَبعَثُ الأَنوارَ حَتَّى يَستَنيرَ الأَكواني
كَمْ تَباهى الغَيْمُ في عَلْيائِهِ جُوداً سَخِيّاً
وَسَقَى الرَّوضَ بِعَذْبٍ مِنْ شَجيِّ الهَطَلانِ
يا لهيبَ الوجدِ في قلبي تمادى في جَميمٍ
إنّما التعذيبُ في شَرعِ الهَوى هو الامتنانِ
يا لهيباً في ضلوعي قد كواني بِاشتِعالٍ
إنّما التعذيبُ دَربٌ طابَ فيهِ الإحسانِ
قد أتيتِ اليومَ نحوي بالمَعاني مُثقَلاتٍ
تكتُمُ الأسرارَ صمتاً في خَفايا ذا المُجانِ
يا وميضَ البرقِ في قلبِ المعاني يا سناءً
يا وُجودَ النورِ في سِحْرِ المَدا لِل أُرجوانِ
قَدْ رَكِبْتُ الفُلْكَ فِي بَحْرِ الحَنَانِ لَستُ أدري
كَيفَ عُدتُ الآنَ أَسعى في طَموحِ العُنْفوانِ
يا ضِياءَ الفَجرِ يَسري في دَمي مِثلَ فَيضٍ
يا هُطولَ الغَيثِ يَسقي كُلَّ صَدعٍ بَعْدَ آنِ
يا شُعاعَ الفَجرِ في صَدري تَجَلَّى مِثلَ صُبحٍ
مَطَرَ الرُّؤيا سَقَى بَعْدَ الجَفافِ الارتهانِ
نامِ في قَلبي نَشيداً سَرْمَدِيّاً مِثلَ شَدوٍ
يَبْعَثُ السَّلْوى لِمَحْزونٍ تَرَدَّى في الجِنانِ
نَسيمَ الرُّوحِ يا نَبْضَ الهوى في حَياتي
مَطَرَ الأَشْواقِ يا لَحْناً شَجيَّ الزَّمانِ
ضاعَ عُمري في لَياليكِ جُزافاً دُونَ رُشدٍ
لَم أَعُد أَدري مَواقيتَ الصَّلاةِ والأَذانِ
أَنفاسُكِ السَّكرى تُغاوِي خافِقي في كُلِّ حِينٍ
فَالحُبُّ طُهرٌ قَد جَلاهُ في المَدا الثَّقَلانِ
أُشهِرُ الحُبَّ جِهاراً للبَرايا لَستُ أَخشى
مِثلَ نورٍ قد أَضاءَ الدَّربَ في الهَيَمانِ
كُلَّما سِرْتُ أَرَاكِ في عُرُوقي مِثلَ رُوحٍ
مِثْلَ نَبْضٍ صِيغَ مِنْ فَيضٍ وسِحْرِ البَيَانِ
يا ملاكاً طابَ في قَلبي رُؤاهُ مِثلَ وَحيٍ
كَضِياءِ الشَّمْسِ تُجلي كُلَّ هَمٍّ كُلَّ رانِ
لَحْنُ خَلْقٍ صِيغَ في صَمْتٍ رَخِيْمٍ لَستُ أَنسى
كَنُبوءاتٍ بَدَتْ جَهراً لِكُلِّ الأَعْيُانِ
لَحْنُ خَلْقٍ في سُكُونٍ قَدْ تَجَلَّى لِلحَيارى
كَنُبُوءَاتٍ سَمَتْ عِزّاً لِنُورٍ عَسْجَدَانِ
فَاحْضِنِي قَلْبِي فَإِنِّي مَوْجُ تِيهٍ في البِحارِ
هَدَّهُ الجُرْحُ لَعَمري ثُمَّ أَزْرَى بِالشَّانِ
قَدْ غَدَتْ رُوحِي صَلَاةً لِلْهَوَى في كُلِّ وَقتٍ
فِي مِحْرَابِ الحُسْنِ تَشدو لِلْ جُمانِ
مِنْ لَمَى الثَّغْرِ الَّذي يُحْيِي نُفُوساً هَالِكاتٍ
كَانْهِمارِ السَّيْلِ يَسقي في ذُرى الشَّنآنِ
يا مَعِيناً مِنْ ضِياءٍ كَانَ قَدْرِي في المَنايا
طِلْسَمَ الأَرْواحِ تَبدو في أَسْمَى المَعانِي
يا عَذاباً في حَنايا القَلْبِ يَسْري في نَحيبي
طالَ لَيْلي فَتَحَمَّلتُ طَرِيْقاً للتَّفانِ
قَدْ حَرَقْتِ العُمْرَ في لَمْسِ المنى في اغتِرابٍ
وَكَسَوْتِ الرُّوحَ مِني ثَوْبَ الاطْمِئْنَانِ
إِنْ ذَكَرْتُ الحُبَّ يَوْماً صَارَ قَلْبِي مِثلَ حَقْلٍ
رَوْضَةً زَهْرَاءَ لَاحتْ تُنْسِي كُلَّ مُستَهانِ
كَمْ نَسِيمٍ مِنْكِ قَدْ زَارَ فُؤَادِي في بَلاءٍ
فَانْحَنَى القَلْبُ كَسيراً مِثلَ كَسْرِ الأُقْحُوَانِ
إِنَّ عَيْنَيْكِ قِيَامَاتٌ لَنَا كُبْرَى وَفِيها
تِلْكَ نِيرَانٌ تَمَادَتْ فِي سَنَا هَذَا البُرْهَانِ
قَدْ تَبَدَّى وَجْهُ دَهْرِي أَبَدِيّاً فِي رُؤَاهَا
وَبِعَيْنِي صِيغَ نُوراً صُورَةَ الوَجْهِ الثَّانِي
أَبْصَرَتْ عَيْنِي بِها وَجْهَ خُلُودٍ مِثلَ نَجمٍ
يَتَشَكَّلْ فَوقَ وَجهي ذَلِكَ الوَجْهُ الغَّاني
يا لَجَمْرِ الخَفْقِ قَدْ عَلَّمَ قَلْبِي أَنَّ هَذَا
سِحْرُ حُسْنٍ صَارَ فِي عُمْرِي كَمِثْلِ الإِدْمَانِ
كَمْ أَتَيْتِ الآنَ نَحْوِي بِعَظِيمَاتِ الأَسْرَارِ
تُخْفِهَا الأَيْدِي بِيَأْسٍ فِي دَيَاجِي الكِتْمَانِ
بَرْقُ رَمْشٍ لَوْ رَمَى فِي نُورِهِ رُبْطَ الأَرَاضِي
لَأَصَابَ الأَرْضَ طُرّاً فِي لَظَى هَذَا الهَذَيانِ
إِنَّ أَسْمَاءَكِ نَهْرٌ مِنْ لَهِيْبٍ قَدْ تَمَادَى
فِي فُؤَادِي لَحْنُهَا يُغْنِي وَيَشْجِي آذَانِي
أُقْسِمُ الجَهْدَ لَوَ أَنَّكِ لَمْ تُخْلَقِي يَوْماً لَدَينا
مَا بَدَا أَصْلُ وُجُودٍ لِهَذِي كُلِّ الأَرْكَانِ
إِنَّ هَذا العِشْقَ في الدُّنْيا وُجُودٌ آدَمِيٌّ
بَيْنَ عَيْنَيْكِ حَيَاتِي وَبِهَا كُلُّ العُنْوَانِ
قَدْ نَدَهْتُ اسْمَكِ فَاهْتَزَّ وُجُودِي وَتَلَتْ
أَنْفَاسَكِ صِدقاً صَدَاءٌ في جَميعِ الوِدْيَانِ
قَدْ صَهَرْتُ الرُّوحَ ذَوْباً فَمَا عُدْتُ جَسَداً
بَلْ غَدَوْتُ الآنَ طَيْفاً مِنْ رُؤى هَذَا الغُفْرانِ
قَدْ أَبَحَرْتُ إليكِ في لُجَجِ الوَجْعِ المُعَانِي
ثُمَّ عُدْتُ الآنَ مَرفوعاً على مَوْجِ الإِيمَانِ
يا فَتَاةً خُلِقَتْ كَيْ تَنْتَهِي فِيها مَعَانِي
صَاغَهَا القَلْبُ لِكَيْ تَمْحُوَ ذُلَّ الحِرْمَانِ
يا خِتاماً لِجَمِيلِ العِشْقِ في قَلبي وَيا مَنْ
كُنْتَ في الدُّنْيا لَنا أَوَّلَ صَوْتِ الإِنْسانِ
في سَنا حَضْرَةِ عَيْنَيْكِ احْتَمَيْتُ الآنَ صِدْقاً
مِثْلَ لاجِي رُوحِ أَضْنَتْهُ لَظَى هذي النِّيرانِ
ما لَقيتُكِ في حَيَاتي طِفْلَةً وَحْدَكِ لَكِنْ
أَنْتِ دَيْني وَدُمُوعي وَجَمِيعُ الأَوْطَانِ
صَوْتُكِ العَذْبُ أَقَامَ المَحْضَ مُوسِيقى لَدَيْنَا
وَبِقَلْبِي رَقَصَتْ هَذي القَوافِي وَالأوزانِ
يا مَلاذِي، وَعْدَ دَهْرٍ أَزَلِيٍّ لَوْ تَمادَتْ
في رِحَابِ الوَجْهِ أَقْمَارٌ لِتِلْكَ الأَحْزَانِ
إِنَّني قَدْ كُنْتُ أَقْفُو فِي خُطَاكِ فَمَا لِقَلْبِي
بَعْدَ هَذا البُعْدِ عَنْ عَيْنَيْكِ يَوْماً مِنْ لِدَانِ
إِنَّني قَدْ بِتُّ أَقْفُو فِي خُطَاكِ المَسْعَى حَتَّى
لَمْ يَعُدْ يَا فِتْنَةَ الرُّوحِ لِقَلْبِي مِنْ مِيزانِ
إِنَّني أُقْسِمُ بِالْحُبِّ لَدَيْكِ الآنَ جَهْراً
أَنَّكِ الرُّوحُ إِذا غِبْتُ وَفِي كَفِّ الضَّمانِ
إِن أَنَا مُتُّ فَقُولُوا لِحَبِيبِي إِنَّ رُوحِي
أَوْرَثَتْ صَدْرِي عَذَاباً غَصَّ بِالاحْتِقَانِ
قَدْ تَمَادَى خَلَدُ الحُبِّ بِهذا الإِنْسَانِ
وَغَدَا العِشْقُ لَدَيْهِ بَعْدَ ذَاكَ السُّلطانِ