أأحملُ هذا الشوقَ والقلبُ مُثقَلٌ
وأكتمُ ما بي من جوىً وحنينِ
أُداري جراحًا لا تُرى غيرَ أنَّها
تُقيمُ بصدري إقامةَ سجينِ
وأحسبُ أنَّ الصبرَ يُطفئُ حرَّها
فتزدادُ إضرامًا بغيرِ سكونِ
إذا هبَّ نسّامُ المساءِ توهَّمَتْ
جوانحُ روحي أنَّهُ منكِ حينِ
وإن لاحَ برقٌ في الدجى قلتُ ليتَهُ
يجيءُ بخبرٍ صادقٍ ويقينِ
أُقَلِّبُ أيّامَ الوصالِ كأنَّها
قلائدُ درٍّ ضاعَ بينَ شجونِ
فما زادني طولُ التباعدِ سلْوةً
ولا هدَّ من عزمِ الفؤادِ متينِ
أُصارعُ أشواقي فتغلبُ مرَّةً
وأغلبُها طورًا بقلبٍ رصينِ
وأعلمُ أنَّ البعدَ بحرٌ مروِّعٌ
ولكنَّني أمضي إليهِ سفينِ
إذا قيلَ هل يبقى الهوى بعد فرقةٍ
فقلتُ بقاءُ الروحِ في الجسدينِ
هو الوجدُ لا يرضى انطفاءً وإنَّما
يُقيمُ على مرِّ الزمانِ مكينِ
أبيتُ ونجْمُ الليلِ يشهدُ أنَّني
أُناجي رجاءً ضاعَ بينَ الظنونِ
وأرنو إلى الآفاقِ أطلبُ بارقًا
يعيدُ إلى عينيَّ فجرَ السنينِ
فلا أجدُ إلا الصمتَ يملأُ مسمعي
كصحراءَ قفرٍ موحشٍ وحزينِ
تعلَّمتُ من قهرِ الليالي تجلُّدًا
ولكنَّ دمعَ العينِ غيرُ ضنينِ
إذا ضحكَ الناسُ استترتُ بسمتِهِم
وفي القلبِ ما فيهِ من الأنينِ
أُحافظُ أن يبقى الهوى في موضعٍ
مصونًا عن الشكوى وعن كلِّ شينِ
فلا أنا ممَّن باعَ عهدًا لوصلِهِ
ولا أنا ممَّن خانَ بعدَ أمينِ
سقى اللهُ أيّامًا مضتْ وهيَ جنَّةٌ
تمرُّ على الذكرى كعطرِ البساتينِ
مضتْ وبقيتُ اليومَ أحرسُ طيفَها
كحارسِ كنزٍ نادرٍ وثمينِ
فإنْ غابَ وجهُ الأنسِ عن ناظريَّ
ففي القلبِ منهُ منزلٌ لا يبينِ
وإن حالَ بحرُ البعدِ بيني وبينَهُ
فحبلُ الوفاءِ اليومَ غيرُ مهينِ
سأبقى على عهدِ المحبةِ صابرًا
وإن طالَ دربُ الشوقِ بعدَ سنينِ
فما الحبُّ ضعفُ النفسِ عندَ اشتياقِها
ولكنَّهُ سرٌّ عزيزٌ دفينِ
أعيشُ بهِ حرًّا كريمَ خليقةٍ
وأمضي بهِ بينَ الورى مستعينِ