أَلَمَّتْ بِنَا أَيَّامُ وَدٍّ تَقَضَّتِ
فَمَا أَنْتِ إِلَّا لِلْمَصَالِحِ تَنْظُرُ
تُقَلِّبُ وَجْهَ الْوُدِّ حَسْبَ حُظُوظِهِ
فَإِنْ أَخْصَبَتْ دُنْيَا امْرِئٍ تَتَعَطَّرُ
وَإِنْ أَجْدَبَتْ أَيَّامُهُ أَعْرَضَتْ بِهِ
كَأَنَّ الَّذِي بَيْنَ الْقُلُوبِ تَبَخَّرُ
وَمَا الْعَهْدُ عِنْدَكِ غَيْرُ لَفْظٍ مُزَيَّنٍ
يُقَالُ إِذَا احْتَاجَ الْوُصُولَ الْمُمَثِّلُ
تُجِيدِينَ تَلْوِينَ الْمَقَالِ كَأَنَّمَا
عَلَى لِسَانِكِ فِي الْخَدِيعَةِ جَوْهَرُ
تَرَيْنَ الْوُفِيَّ الْحُرَّ سَهْلًا لِغَدْرَةٍ
لِأَنَّ قُلُوبَ الصَّادِقِينَ تُخَاطِرُ
أَمِنْ أَجْلِ دُنْيَا زَائِلَاتٍ هَجَرْتِنِي
وَقَلْبِي لَكِ الْمَأْوَى الْقَدِيمُ الْمُعَمَّرُ؟
وَكَمْ بِتُّ أَرْعَى الْوُدَّ حَتَّى ظَنَنْتُهُ
يُشَيِّدُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالرُّوحِ مِحْوَرُ
فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ الْحَقِيقَةَ أَدْرَكْتُ
بِأَنَّ الْهَوَى فِي بَعْضِ نَاسٍ يُؤَجَّرُ
لَهَا مِنْ حُلِيِّ الْقَوْلِ أَحْسَنُ مَنْظَرٍ
وَلَكِنَّ مَا تُخْفِي الضُّلُوعُ أَمَرُّ
إِذَا ضَحِكَتْ أَوْهَمْتِ أَنَّكِ مُخْلِصٌ
وَفِي الْقَلْبِ مِنْ نَسْجِ الْخَدِيعَةِ مِئْزَرُ
وَمَا كُنْتُ أَرْضَى أَنْ أُبَاعَ بِبَسْمَةٍ
وَلَا أَنْ يُدَاسَ الْوُدُّ وَالْحُبُّ يُهْدَرُ
وَلَكِنَّنِي أَعْطَيْتُ قَلْبِيَ مُقْبِلًا
فَعَادَ وَفِي أَعْطَافِهِ الْهَمُّ يُمْطِرُ
تُرَاقِبُ مَا عِنْدَ الرِّجَالِ وَإِنَّمَا
تُوَازِنُ بَيْنَ الْمَالِ ثُمَّ تُقَدِّرُ
فَإِنْ لَاحَ وَجْهُ الْيُسْرِ مِلْتِ بِوُدِّهِ
وَإِنْ ضَاقَ عَيْشُ الْمُعْسِرِينَ تَنَفَّرُوا
رَأَيْتُكِ لَا تَهْوِينَ إِلَّا مُوَفَّرًا
لَهُ ذَهَبٌ أَوْ جَاهُ قَوْمٍ يُصَدِّرُ
فَلَا الْحُسْنُ يَبْقَى إِنْ تَعَرَّى مِنَ الْوَفَا
وَلَا الْمَالُ يَبْقَى وَالزَّمَانُ يُغَيِّرُ
وَقَدْ كُنْتُ أَسْمُو بِالْمَوَدَّةِ صَادِقًا
فَصَيَّرَنِي غِشُّ الْمُحِبِّينَ أَحْذَرُ
أُخَبِّئُ فِي صَدْرِي الْأَسَى وَكَأَنَّنِي
جَبَلْتُ عَلَى كَتْمِ الْجِرَاحِ وَأَصْبِرُ
فَلَا تَحْسَبِي أَنِّي عَلَى الْغَدْرِ نَادِمٌ
فَقَدْ كَشَفَتْ لِي وَجْهَ نَفْسٍ تُدَمِّرُ
تَعَلَّمْتُ أَلَّا أَنْخَدِعْ بِطَلَاقَةٍ
فَكَمْ نَاعِمِ الْأَلْفَاظِ وَالْقَلْبُ أَعْسَرُ
وَكَمْ مِنْ وُعُودٍ زَيَّنَتْهَا ابْتِسَامَةٌ
تَهَاوَتْ كَمَا يَهْوِي عَلَى الرَّمْلِ مِعْصَرُ
إِذَا مَا ذَكَرْتُ الْغَدْرَ أَبْصَرْتُ صُورَةً
لَهَا مِنْ ثِيَابِ الْوُدِّ وَجْهٌ مُزَوَّرُ
سَأَمْضِي وَمَا فِي النَّفْسِ إِلَّا تَرَفُّعٌ
فَبَعْضُ الْبِلَاءِ لِذِي الْمُرُوءَةِ يُطَهِّرُ
وَمَا عَادَ يُغْرِينِي جَمَالٌ مُزَخْرَفٌ
إِذَا غَابَ عَنْ عَيْنِ الْمَوَدَّةِ جَوْهَرُ
فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْغِشِّ يَرْفُلُ بَعْضُهُمْ
فَإِنَّ طَرِيقَ الصِّدْقِ أَبْقَى وَأَنْوَرُ