رأيتُك الصرح يا أعجوبةَ الزمنِ
يا أرض أمي وأجدادي أيا وطني
يا لوعة الهجرِ حين الحبّ يعْصفُ بي
حتّى تناثرتُ بين الشوقِ والشجنِ
أعمى العيونَ مِنَ الأحزان مُغترَبي
وأشعلَ الشيبَ من وجدي وأسقمني
ما ذاقت النفسُ أقسى من تغرّبها
حتّى بكاها الأسى من غِلظةِ المحنِ
أصبّرُ النفسَ ما عادت تطاوعني
فالشوقُ شبّ اللّظى في البالِ والبدنِ
غادرت أرضي طريدًا دون راحلةٍ
كعابرٍ للفلا سيرًا بلا مؤنِ
بالسيفِ والسوطِ قادوا أهلنا فغدو
كمنِ يقودُ ليوثَ الغابِ بالرسنِ
بعد الفراقِ جفوني في مُخاصمةٍ
والفكرُ تيهٌ منَ البلوى وممتحنِ
ذكراك يا وطني أٌنسٌ ومبْتهجٌ
فالقلبُ ذاقَ الجوى في السرّ والعلنِ
إلى الطفولةِ حنّ القلبُ في جذلٍ
واشتاقت الروحُ كالأطيارِ للفننِ
بعد الغروبِ أنامُ الليلَ في حلمٍ
وفي السحورِ أذانُ الفجرِ يُوقظني
عند الصيامِ حَسَا الإفطار يجمعُنا
وليلةُ العيدِ عند الأهلِ تُفرحني
تجوبُ نفسي هيامًا منذ نشأتها
فَيحَ البساتين والناعورُ يبهرني
تشدو البلابلُ حولي لحنَ أغنيةٍ
ويغسلُ الثوبَ ما يَهمي مِنَ المزنِ
صوتُ الضفادع يعلو كلّ ساقيةٍ
ونغمةُ الماءِ عند السقْيِ تطربني
أشتاقُ للخبزِ من تنّورِ والدتي
لأينعِ التمرِ في صحنٍ مع اللبنِ
لجارتي في بلوغي والهوى مَلِكٌ
للعين كانت كنورِ البدرِ في الدُّجنِ
إلى ردائي ونعلي زُيّنا رُقعًا
من كلّ نَسْجٍ ولكنْ دونما درنِ
إلى القراءةِ والألوانِ في كتبي
إلى الحسابِ ودرسِ الدينِ والسننِ
أشتاقُ للدارِ والحيطان أملؤها
بألفِ حلمٍ رسوماً جمّلتْ سكني
يمضي بي الدهرُ كالأمواج مرتحلاً
حتّى تعايشتُ بين البؤسِ والمِننِ
تجري المراكبُ والآمالُ أشرعتي
ما هزّها الموجُ أو هُدّت على السفنِ
ما غيّر الهجرُ نهجي أو ذرا قيمي
ولا طواني النوى وهنًا على وُهُنِ
أُآزرُ الصبرَ حين الهمّ أنهكُه
كالماسِ عزمي بنارِ الصهرِ لم يلنِ
مَن ارتضى وطنًا غيرًا لموطنه
كمسْتعيْضٍ عن الأعطارِ بالنتنِ
آهٍ منَ البعدِ لا ضعفٌ ولا جزعٌ
لكنْ نزوعي إلى الأرحامِ والوطنِ
لا يُعرف الحبُّ إلّا بعد تضحيةٍ
ولا يقومُ بناءٌ دونما ثمنِ
فما كفاني بُعيد الهجرِ مغتنمٌ
ولا احْتواني فسيحُ الأرضِ والمدنِ