ألا يا صليلَ المهنَّدِ، أسمِعْ
فإنَّ الصليلَ لسانُ العِظامِ
وهاتِ منَ المجدِ ما كانَ طيَّ
غُبارِ السنينِ وصمتِ الرِّجامِ
فما أنتَ حدًّا منَ الصلبِ يُروى
ولكنْ بقايا دمِ الأقوامِ
توارثَكَ البيدُ عن كلِّ حرٍّ
أقامَ العُلا فوقَ هامِ الغمامِ
وما زلتَ في كفِّ قومٍ إذا ما
دعا الخطبُ، هبّوا هبوبَ الضِّرامِ
إذا قيلَ: مَن للكرامةِ؟ قلنا:
صوارمُ قومٍ كرامِ الشِّيَمِ
وإنْ قيلَ: مَن يحفظُ الحقَّ؟ قلنا:
حدودٌ تُقيمُ اعوجاجَ الظُّلَامِ
تنامُ بقرنِ الغِمدِ، لكنْ كأنَّ ال
سكونَ على شفتيكَ ابتسامُ حِمامِ
فإنْ هبَّ داعي الوغى من مكامنِه
خرجتَ خروجَ الصباحِ منَ العَتَمِ
كأنَّكَ برقٌ أقامَ طويلاً
بجوفِ السحابِ، وحانَ انهدامُ
وكأنَّكَ نجمٌ أضاعَ سماءً
فأصبحَ في كفِّ حرٍّ مقامُ
إذا لاحَ، ضاقتْ عيونُ الطغاةِ
كأنَّ على الأفقِ يومَ الخصامِ
وإنْ هزَّهُ فارسٌ، خلتَ أنَّ ال
صواعقَ تُتلى بحدِّ الحُسامِ
تشقُّ صفوفَ الحديدِ كأنَّك
تُعيدُ إلى الصخرِ عهدَ الانهدامِ
وتتركُ خلفَك صمتًا ثقيلاً
كأنَّ المنايا أضاعتْ كلامِ
وكمْ من فتىً كانَ يملأُ أرضًا
بصوتِ المفاخرِ بينَ الأنامِ
فلما رأى فيكَ وجهَ الحقيقةِ
توارى وراءَ ستارِ الكلامِ
فأنتَ امتحانُ الرجالِ، وفيكَ
يُرى معدنُ القومِ دونَ التباسِ
تُميّزُ بينَ الذي صانَ وجهًا
وبينَ الذي باعَهُ بالسلامِ
وبينَ الذي إنْ دَعَتْهُ المذلّةُ
أقامَ على حدِّ سيفِه، لا يَضامِ
وما المجدُ أنْ يُشهرَ المرءُ حدًّا
ويجعلَ من بأسِهِ للخصامِ
ولكنْ بأنْ يُمسكَ السيفَ حرٌّ
إذا قامَ بالحقِّ دونَ انتقامِ
وأنْ يحفظَ المستجيرَ إذا ما
تداعى عليهِ ذئابُ الظلامِ
وأنْ يردَّ يدَ البغيِ عنهمْ
إذا مدَّها صاحبُها للحرامِ
فيا سيفُ، يا شاهدَ العهدِ، كمْ قد
رأيتَ منَ الدهرِ وجهَ اللئامِ
وكمْ عرشِ قومٍ علا بالخديعةِ
فأصبحَ تحتَ حوافرِ خيلٍ رُكامِ
وكمْ رايةٍ كانَ فيها ادّعاءٌ
فأطفأَ بريقَكَ ذاكَ الوَهامِ
وكمْ منْ عظيمٍ تزيّا بملكٍ
فلما رأى حدَّكَ، عادَ حُطامِ
لكَ في يدِ الحرِّ معنىً جليٌّ
وفي يدِ الجبنِ محضُ انعدامِ
فإنْ أنتضى في يدِ المجدِ صرتَ ال
بيانَ الذي لا يحتاجُ الكلامِ
وصارَ لمعانُكَ فوقَ الأكفِّ
كأنَّ النجومَ تُرى في الظلامِ
تقولُ لمن رامَ كسرَ المكارمِ:
هنا ينتهي زعمُ كلِّ ظلامِ
وتقولُ للحرِّ: لا تنحنِ، إنَّ ال
حياةَ بغيرِ العُلا كالحمامِ
فيا سيفُ، إنْ ضاقَ وجهُ الليالي
فأنتَ اتساعُ طريقِ الكرامِ
وإنْ خذلَ القومُ عهدَ المروءةِ
فأنتَ بقايا صدى الاعتصامِ
وإنْ نامَ في الناسِ صوتُ الشهامةِ
فصوتُكَ باقٍ على رغمِ عامِ
ستبقى، وإنْ بَلِيَ الصلبُ يومًا،
حديثَ العُلا في فمِ الأيامِ
ويبقى صليلُكَ فينا كأنَّ ال
قبائلَ ما زالتْ وراءَ الخيامِ
فإنْ سألوا عنكَ، قلنا: مهنّدٌ
توارثَ مجدَ أبيهِ الكرامِ
وإنْ سألوا: أينَ عزُّ الرجالِ؟
فقلنا: هنا، في صليلِ الحسامِ
وإنْ سألوا: ما الفخارُ؟ أجبنا:
أنْ لا يُباعَ الفتى بالوَهامِ
فيا سيفُ، يا آخرَ العهدِ فينا
بأنْ لا نعيشَ حياةَ انهزامِ
لكَ المجدُ ما دامَ فينا فؤادٌ
يُحبُّ العُلا، ويأنفُ الاستسلامِ