تخطَّ إلى المحتوى

أضحى الجفاء رداء بعد تلاقينا

البسيط

٥١ بيت

النسيب

أضحى الجفاءُ رداءً بعد تلاقينا

وسادَ صمتٌ على أنغامِ ماضينا

وغابَ وجهُ المنى عن صبحِ مقلتنا

فاستوحشتْ مهجتي من غيرِ تلوينا

من يُبلغُ القلبَ أنَّ الوصلَ قد نأى

وأنَّ عهدَ الهوى أمسى يُعادينا

أنَّ الزمانَ الذي قد كان يُضحكنا

عادَ البعادُ به يُبكي ليالينا

كم قد حسدنا عِدا في صفوِ صحبتنا

فاستنزلوا الدهرَ كي يُفني أمانينا

فانفرطَ العقدُ من أيدٍ تعانقنا

وانفكَّ من نبضنا ما كان يُحيينا

كنا نُراهنُ أنَّ البُعدَ لن يثني

واليومَ نُدركُ أنَّ البُعدَ يُقصينا

يا ليتَ عتبَكمُ قد نالَ مُبغضكم

فربَّ عتبٍ يُداوي قلبَ شاكينا

ما زلتُ أُقسمُ أنَّ الوصلَ ديدننا

وأنَّ عهدَ الوفا ما زالَ يُرضينا

ما كان من حقِّهم أن يُسرَّ عِدا

بما جرى بيننا أو ما يُديمُ أسانا

كنا نُسلّي الأسى باليأسِ نُبعده

واليومَ يأسُ الأسى قد باتَ يُدنينا

بنتم وبنا، والهوى ما زالَ يُشعلنا

شوقًا إليكم، وما جفَّت مآقينا

نُخفي الحنينَ، ولكن في ضمائرنا

نبضٌ يُناجيكمُ، والدمعُ يُروينا

قد غيَّبَتكم ليالينا، فصارتَها

سودًا، وكانت بكم بيضًا أمانينا

إذ كان عيشُ الهوى طلقًا بوصلكمُ

ومربعُ اللهوِ صافٍ من تلاقينا

وكم قطفنا ثمارَ الوصلِ دانيةً

فازدانَ عيشُ الهوى منكم ليالينا

فليسقِ عهدَكمُ عهدَ السرورِ، فما

كنتم لروحِ المُنى إلا رياحينا

لا تحسبوا أنَّ نأيَ الدارِ يُطفئنا

فكم تغيّرَ نأيٌ دونَ محبينا

واللهِ ما مالَتِ الأرواحُ عنكمُ

ولا انصرفتْ عنكمُ يومًا أمانينا

يا ساريَ البرقِ، غادِ القصرَ واسقِ بهِ

من كانَ صرفَ الهوى والودِ يُسقينا

واسأل هناكَ، هل الذكرى تُعنّيهِ

أم أنَّ طيفَ الهوى أمسى يُنسينا؟

ويا نسيمَ الصبا، بلغْ تحيتنا

من لو على البُعدِ حيًّا كان يُحيينا

فهل نرى الدهرَ يُجزي الوصلَ منّةً

ولو تأخرَ في وعدٍ يُنادينا؟

ربيبُ مجدٍ، كأنَّ اللهَ صاغَ لهُ

مسكًا، ونسجَ لهُ من نورِ تكوينا

أو قد صبغناهُ بالفضةِ الخالصةِ

وزيَّنَ التبرُ منهُ حسنَ تكوينا

إذا تمايلَ، هزَّ الوجدَ رقّتُهُ

كأنَّ عقدَ الهوى منهُ يُواسينا

كانت لهُ الشمسُ ظئرا في طلعتِهِ

تغارُ منهُ إذا ما لاحَ ماضينا

كأنَّ وجنتَهُ صحنٌ من الكواكبِ

زهرٌ يُضيءُ الدجى، يُشفي أمانينا

ما ضرَّنا أن لم نكن أكفاءَهُ

فالمودّةُ تكفي في تلاقينا

يا روضةً طالما أزهرتْ نواظرُنا

وردًا، ونسرينَ عشقًا في ليالينا

ويا حياةً سقتنا من بشاشتها

منىً، ولذّاتِ وصلٍ في أفانينا

ويا نعيمًا خطرنا في خمائلِهِ

كأنَّنا في رُبى الفردوسِ نُحيينا

لسنا نُسميكِ إلا بالذي يليقُ

فقدركِ العالي يغني عن معانينا

إن كنتِ وحدكِ في وصفٍ، فما حسبُنا

إلا الوضوحَ، وإيجازًا يُكافينا

يا جنةَ الخلدِ، قد بدّلنا سدرتَها

زقّومَ فقدٍ، وغسلينًا يُردّينا

كأنَّنا لم نبتْ والوصلُ ثالثُنا

والسعدُ يُغفو على أجفانِ واشينا

إن عزَّ في الأرضِ لقياكم، ففي غدٍ

نلقى الأحبةَ في الحشرِ، ويكفينا

سرّانِ في خاطرِ الظلماءِ يكتمنا

حتى يُفشي لسانُ الصبحِ ماضينا

لا غروَ أن ذكرنا الحزنَ حينَ نهت

عنهُ العقولُ، وتركنا الصبرَ ناسينا

إنا قرأنا الأسى في يومِ فرقتكم

سورًا، وأخذنا الصبرَ تلقينا

أما هواكِ، فما عدلنا بمنهلهِ

شربًا، وإن كان يُروينا فيُظمينا

لم نجفُ أفقَ جمالٍ أنتِ كوكبهُ

ولا هجرناهُ، بل زادَ التلاقينا

ولا اختيارًا تجنبناهُ عن كثبٍ

لكنَّ عادَتنا في البُعدِ تُقصينا

نأسى عليكِ إذا غنّتْ مشعشعةٌ

فينا، وغنّى الهوى فينا مغنينا

لا كأسُ راحٍ تُبدي من شمائلنا

فرحًا، ولا نغمةٌ تُنسي مآسينا

دومي على العهدِ ما دمنا، فإنَّ لنا

في العهدِ دينًا، وفي الإنصافِ تلقينا

فما استبدلنا خليلاً غيرَ صحبتكم

ولا استفدنا حبيبًا عنكِ يُثنينا

ولو صبا نحوَنا بدرٌ منازلُهُ

ما كان حاشاكِ أن يُغري مآقينا

نبكي وفاءً، وإن لم تُبذلي صلةً

فالطيفُ يُرضينا، والذكرُ يُحيينا

وفي الجوابِ متاعٌ إن شفعنا بهِ

بيضَ الأيادي التي ما زلتِ تُرضينا

عليكِ منا سلامُ اللهِ ما بقيتْ

صبابةٌ في الحشا تُخفي أغانينا