يا ساكب الروح ألحانا لمن وردوا
ومسرجَ العقلِ مصباحا لمن قصدوا
أشرفْ من الغيبِ لحنا وابتعثْ ضرما
فإنّ منْ حملوا نارَ الهوى خمدوا
جفّتْ فما نقعتْ تلك الرياض ظما
ولا ترنّم منْ أطيارها غَرِدُ
وأسرعتْ تملأُ الآفاق غائمةُ
وضاق صدرٌ رحيب بالذي يجدُ
إقبالُ يا نغمات الروح ثائرة
يمدّها برواء السحر مُعْتقدُ
يا باعث الفكر في أعماق مُظلمةٍ
مصابحا من سناها الشمس ترتعدُ
ما زال يطربُ هذا الشرقَ قافيةُ
غنيَّتها منْ فؤاد بالهدى يقدُ
جلّتْ نفوسٌ جبين الشمس غايتها
ما قصّرَ الخطوَ منها الجهدُ والسَهدُ
إذا تغيّب منها كوكب ألِقٌ
لاحتْ لها في الأعالي أنجمٌ جددُ
يا صادق الحرْف وهو الروحُ لاهبةٌ
والروحُ تفعلُ ما لا يفعلُ الجسدُ
رددت حرفك في روحي فأيُّ صدى
يمرّ مخترقا روحي ويطّردُ
وأيّ ذكرى سرتْ نحوي تظللني
من أمسِ قد راح مفتونا بها خَلَدُ
تلكَ الأناشيدُ ما زالتْ مُسطّرة
على القلوبِ بها الأرواحُ تبتردُ
سكبتها كضياءِ الصبح طاهرة
ما دنّسَ اللفظ منها خاطر نَكِدُ
ضمّنتها كلّ معنىً خالد فعلى
حروفها صورُ الإيمان تحتشدُ
أسرجتها من لظى الأعماق ثائرة
فحلّقتْ كشعاع الشمس تتّقدُ
طوّفت حيث تسامتْ للعلى قِممُ
وظلَّ غيركَ تُغري خطوهُ الوهُدُ
ما كنت بالممتطي جُنح الخيال ولا
كنت المُضلّلَ لا يصحو لهُ رَشَدُ
بلْ فطنة أدركتْ لُبّ الحياة ولمْ
يكُنْ ليشغلها الأصدافُ والزَبَدُ
يا بلبل الدوحة العليا ويا لغة
من السماء لها قد صفّقَ الأبدُ
أبثّك الألم الموروث مِنْ زمنٍ
فإن في البثَ تخفيفا لما أجدُ
إنْ كان راعك أنْ تلقى عمادَ سنى
يهوي ففي يومنا قد ضوعف العددُ
أمستْ فلمْ تُعْطِ للإنسان بغيتهُ
هذي الحضارةُ خصما كلّه لدَدُ
عاد ابن آدم منها دونما أملٍ
ممزَقا تترامى نفسه العُقُدُ
من بعد أنْ جنّبته القصْد آلهةٌ
قامت لخدمة مَنْ في الأرضِ قد فسدوا
العلْم حُوّل وهْوَ النورُ قنبلة
خرساء تبتلعُ الدنيا وتزدردُ
ولاح للعين مُلءَ الأفْق جامعةٌ
راحتْ عليها ظلالُ الموت تنعقدُ
يزيدها شرفا في المُنجزات بأنْ
تُحضّر الموت يطوي كلّ مَنْ وَجدوا
وأنْ تُخرّج للتضليل نابغة
يسعى لخلقِ أباطيل ويجتهدُ
تنافسُ القوّة الرعناء ما برحتْ
تُحييه أنظمةٌ كبرى وتعتفدُ
أضحى مشاغلَ أذهانٍ وأفئدة
فالمالُ والجهْدُ في إذكائه بَدَدُ
في حين راحتْ ملايين مشرّدة
نفوسُها مِنْ لظى الحرْمان تُفْتأدُ
يا ويح أدمغة راحت مُحمَلة
علما عليه صروحُ الظلم تعْتمدُ
خيرٌ مِن العلْم لمْ يُذهبْ مخاوفنا
بكلّ ما قدْ أتى جهلُ الألى سعدوا
إقبالُ هذي جراحي وهْي فائرةُ
يلفّها الصمتُ لا يدري بها احدُ
حملت آلام منْ عاشوا وإنَّ على
عينيَّ قدْ رُسِمَتْ آلامُ مَنْ لُحدوا
خلعتُ أمسِ ثياب الحزْن عن جسدي
واليوم أصبحَ ثوبا للأسى جَسَدُ
إنّي أنا النغمُ الباكي يرتّلهُ
نايٌ عليم بأنّات الأسى حَرِدُ
ألقى همومي أشتاتا مشتّة
لكنها في صميم القلب تتّحدُ
كأنّ حبْلَ وداد بينها أبدا
فالهمُّ لمْ يألُ جنْب الهمَ ينتضدُ
هذي قوافيَّ قد حمّلتها وَهجا
والشعرُ ما زالَ مِنْ حرّاقة يَرِدُ
بعضُ النفوسِ على الآلام قدْ جُبلَتْ
وربّما كانِ شرّا عيشةٌ رَغَدُ
عزفتُ عنْ باردِ الأفياء مرتضيا
جمْر الهجيرة مُلتذا بما أجدُ
وعفتُ خلفي أصناما ومقبرة
ورحتُ بالألم الخلاّقِ أنفردُ
يا صاحب القلم المعطاء قدْ شحَبَتْ
أقلامُنا وغدا يجري بهنَّ دَدُ
تصامم القومُ عنْ صوت الحقيقة إذْ
بار الضميرُ وراج الزيْفُ والفندُ
وطالعوا الكون معكوسا فماوجدوا
سعادة واكتفوا غُنْما بما حصدوا
أغراهم انّ صوتَ الشرّ مُرتفعُ
وأنّ صوت دعاةِ الحقّ مُفْتَقَدُ
وما دروا انّ في الظلماءِ مُنْبعَثا
للفجرِ واليوم إقرارا يليه غدُ
وقيل قبلا بأن الدرب أوّلهُ
خطْوٌ بتكراره يُسْتَشرَفُ الأمدُ