تخطَّ إلى المحتوى

تفعيلة الرمل

١٩٣ بيت

النسيب

عيناكِ…

يا وَهْجَ المسافةِ

حينَ يَحتمِلُ الرصيفُ نداكَ

يا قمراً

يُعيدُ خرائطَ الغرباءِ من تعبِ السنينْ

عيناكِ

مِئذنةٌ تُصلّي في دمي

وسِرُّ ما تبقّى من يقيني

حين تُطفئني المدنْ

عيناكِ…

ليستا وطنًا،

لكنّني

أهفو إليهِمَا كأنّي

ضاعَ منّي العمرُ في أحداقِ منفى

لا يُعيدُ العاشقينْ

عيناكِ منفى…

فارجعي عني قليلاً

إنّني أخشى الرضوخَ لعطرِكِ الآتي من الغيمِ

النقيِّ…

ولا أريدُ العودةَ الآنَ إلى قلبي القديمْ

أخشى عليكِ من انكساري

حين يُحني الحرفُ وجهي

وارتباكي حين أسكنُ في نداكِ

ولا أفيقْ

دفءُ الحكاياتِ القديمةِ

كنتِهُ

وصدى السلامِ

إذا تشكّلَ من يديكِ على الرفيقْ

يا من يمرُّ الحُسنُ من كلماتِها

فتضيءُ لي شمسٌ

وأخرى تنطفئْ

يا منْ

إذا احتضنتْ ملامحَ غربتي

نامَ الحنينُ على ذراعيها…

وعادَ الحلمُ مرتاحًا

إلى وطنٍ دفيءْ

ما عدتُ أُدركُ ما الرحيلُ…

إذا التقيتكِ

ما تبقّى من غيابي صارَ فيكِ

كما تشاءينَ المدى

عيناكِ

مَنْفايَ الجميلَ

ولستُ أطلبُ أن أعودَ

ففي رحيلِ العاشقينَ

قصيدةٌ

تُخفِي البدايةَ في النهايةِ

كي نُضيءَ بلا رجوعْ

عيناكِ تُربكني…

كأنّ الحرفَ قد نَسِيَ البداياتِ البعيدة،

أو كأنّ الروحَ

تخلعُ جلدها

لتعيدَ صيغةَ ما يُقالْ

عيناكِ تُغريني بتأجيلِ انكساري

كلّما مالتْ

نوافذُ غربتي نحوَ الزوالْ

في صمتِها

تتفتّحُ الأنهارُ بينَ الحاءِ والباءِ الأخيرةِ،

ويُولدُ الصوتُ الذي

غَفَتِ البشاراتُ القديمةُ في احتمالهْ

إن قلتُ إنكِ

ألفُ معنىً في المعاني

ربّما

ظَلَمَ البيانُ حقيقتَكْ

عيناكِ تَكذِبُ في وضوحِهما المرايا،

إنّ فيهما

أسرارُ ليلٍ

لا يُفسّرُهُ النهارْ

في طيفِ رمشكِ

يستقيلُ الوقتُ من زمنِ الخرابْ،

وتعودُ لَحْنًا

كلُّ أحلامي التي أحرقتها المدنُ الكئيبةُ في صِغاري

عيناكِ تُشبهُ آخرَ الذكرى

إذا انطفأَ الحنينُ

وباغتتْهُ

أناملٌ مِنْ سِحْرِ أنثى

كانتِ الفوضى… وكانتْ

كلَّ ما لم نَحتملْ

عيناكِ…

كُحلُ الصبرِ حينَ يفيضُ

عن مَوعدهِ البعيدْ،

وخُطى الشريدِ

إذا استعادَ الأرضَ من بُعدِ العذابْ

لا تسألي ماذا أُريدُ إذا نظرتُ إليكِ،

فكلُّ ما أُريدُ

تَجمّعَ الآنَ في عينيكِ

ثمّ تبعثرَ المعنى عليَّ كأنني

وُلدتُ من شهقةِ النظرِ البعيدْ

عيناكِ لي

رَحِمُ البدايةِ حينَ

عادَ النبضُ من حَرفٍ تُعَمِّدُهُ يداكِ

ما زلتُ

أقترفُ الخطيئةَ في رؤاكِ

ولا تُقيمُ اللغةُ صلاةَ معناها

إلّا إذا مَرَّتْ يدُكِ

على ارتجافِ الأبجديّةِ في فمي

كم مرّةً حاولتُ أن أُطفئَكِ؟

فإذا اشتعلتِ

تَفَتَّحَ الوقتُ القديمُ

وزُلزِلَتْ كلُّ الجهاتِ بمَقلتيكْ

لا تسألي: من أينَ يأتي حُزنيَ الأزليُّ؟

فأنا ابنُكِ حين أغفو في يديكِ

وعدوّكِ حين أفيقْ

يا شهقةً

لو أنزلتْ في البحرِ

أغرقتِ المدى

يا وجعًا

لو فَتَّحَ الزهرُ عليهِ…

لذابَ كلُّ التوتِ في شفَةِ الحنينْ

عيناكِ جُرحي

والضمادُ لظاهُما

عيناكِ موتي

حين أُصبحُ بعضَ ظلٍّ فيهما

أو بعضَ نورٍ

لا يُجيدُ الرجعةَ الكبرى

عودي إليَّ…

أو لا تعودي،

فقد أضعتُ حدودَ ذاتي في الطريقْ

كلُّ الذي يبقى إذا متُّ،

أنّني

عشتُ القليلَ من الحياةِ

إذا اقتربتُ من ابتسامكِ

وانطفأتُ على يديكِ

يا آخرَ الشعرِ الجميلِ

إذا تمادى في السكوتْ،

يا أولَ الناجينَ من نارِ الندمْ

يا من إذا ناديتُها

عادتْ إليَّ الغربةُ بستانًا

ورقصَ الخوفُ على جُدرانِ صدري… وانتهى

يا من

إذا لمحتْ ملامحَ حزنيَ المكسورْ

أيقظتِ الحياةَ من الوجعْ

كلُّ القصائدِ خضعتْ لكِ

حين مَرَّتْ أنفاسُكِ

فوقَ صوتي.

وها أنا ذا…

أضعُ اسمي بينَ كفّيكِ

وأمحو كلّ ما عرفتُ قبلَكِ

عن الرجوعْ.

عيناكِ منفى…

والحنينُ إليهما

صارَ أشبهَ بالسُهادِ على جفوني

أو كأني

كلّما جفَّ ارتباكي

عادَ يسقيني الجنونْ

فإذا افتقدتُكِ

لا أعودُ إليَّ،

بل أمضي إلى ما لستُ أعرفهُ

وتسكنني الدُرُوبُ كما تشاءْ

في حضرةِ الغيمِ الذي

تَركتْهُ عيناكِ على أكتافِ روحي،

قلتُ للحبِّ القديمْ:

اذهبْ،

فقد مرّتْ ملاكٌ من هنا

وغادرتْني… دونَ أن تَلمحْ دمي

يا آخرَ الأنثى التي

ما قُلتُ فيها الحُبَّ بعدُ،

لأنّ وصفَكِ

لا يُطيقُ قصيدةً

أو يستوي في بيتِ شعرٍ مستقيمْ

يا من رحلتِ…

ولا تزالينَ المقيمَةَ في ارتباكي

يا غيابًا

كلّما نُفيتُ عنهُ

سَكَنَ المدى صوتُكِ الرقيقْ

عيناكِ كانتْ

كلّ ما أخفيتُهُ عني

وما عاهدتُ صدري أن يُلامسَهُ الحنينْ

عيناكِ، ما عيناكِ؟

مرآتا ارتباكي حين أهربُ من دمي

فيجيئني ظلّ الكلامِ من ارتعاشِ شفاهِكِ الدافئةْ

عيناكِ مطرٌ

إذا مرّتْ على صدري

تفتّحتِ القصائدُ، واستفاقَ النبضُ في قلبِ الشتاءْ

قد كنتُ أهربُ من تفاصيلِ الهوى

لكنّ حبّكِ كان أسرعَ من خُطايَ

وكان أبلغَ من لغاتي كلها

فأعدتِ ترتيبَ الخرائطِ في دمي

وكسرتِ ما بيني وبينَ الوقتِ

من خوفٍ، ومن قلقٍ، ومن ذاكرةْ

فلتعلمي…

أنّي وإن أنكرتُ سِحرَكِ ألفَ مرّة،

حين تخطرُ في دمائي

أُولدُ الإنسانَ من وجعي

وأصحو… كالعطشْ

عيناكِ…

منفى لا يُقاومُهُ الرجوعُ،

ولا يُلملمُهُ الزمانْ

فدعيني

أبقى قليلًا

في ارتباكِ النورِ بينَهما،

وأضيعُ إن ضيّعتني

كأني… ما كنتُ يومًا

إلّا سبيلَ العاشقينْ.