سما فوق ما تسمو النسورُ، ودوَّما
يسوم طموحُ الفكرِ جلجلةَ السَّما
يشيم السنى في الحالكات، وقلبُه
وراء الحجى الكشّاف يحدس مُلهِما
يُصمّم لبنانَ الجديد، كأنه
يخطّط في درب الأضاليلِ مَعلما!
ولبنانُ في الدنيا جُنَينةُ عَدْنها
تناهت به الدنيا فأجفلَ واحتمى
صغيرٌ صغيرٌ في مقاييس حجمهِ
كبيرٌ كبيرٌ يزرع الكونَ أنجما
برتْه يدُ الخلاّق طودًا مُمرَّدًا
من الحجر الصوّان أبلجَ أعصما
يُسدّد في وجه السماءِ، رهيفةً
ذُراه كأن التوقَ منها تنسّما
ويرنو إلى جنْبَيْه بحرٌ ومرتعٌ
يمدّانه بالخير مُخضوضلَ النَّما
وما الأرزُ إلا أبجديّةُ سِفرهِ
على الأزل المسحور يحدب توأما
أبالسةُ الإبداعِ أهلوه، رتّلوا
على الصخر إنشادَ الحياةِ فرنّما
ولان على أيديهمُ لينَ والهٍ
فصاغوه تاجًا للجمال مُنمنما
يمرُّ به الإبداعُ كلَّ صبيحةٍ
ليقبسَ من إشعاعه ما توسّما!
سألتُكَ بالإبداع، «موريسُ»، ما الذي
جنينا من التصميم، قل لي، سوى السِّما
تقاريرُ تتلوها تقاريرُ، كلُّها
دهاءٌ بأدهى المعنيين تجسّما
نخطّط ما يحلو رسومًا مُبينةً
على حدّة البيكار أحدبَ أقوما
تلخّص أكداسَ الدراساتِ، تمتري
أضابيرَها الحبلى بيانًا مرقَّما
تحملق في الغيب البعيدِ، تروده
تُقطِّر منه للجراحات بلسما
تُبلّط بحرًا، ترتعي زرقةَ الفضا
تزخرف خلخالاً، تُسوِّر مِعصما
تثير الأحاجي، تَدّريها، تُحيلها
تنير الدياجي، تنشر النورَ مظلما
فتختم إبهامًا لما كان واضحًا
وقد بدأتْ إيضاحَ ما كان مُبهما!
تصاميمُها عُوجُ الدهاليزِ، رابطتْ
دهاقنةٌ فيها تُجيد التحشُّما
تَمِيز ُالمشاريعَ السِّمان، تفاضلاً
فيرجح منها ما يكون مُطهَّما
تروز مثاقيلَ العطاءِ، تصوغها
رضاءً رضيّاً، تستحلّ المحرَّما
تؤمّم وجهَ الفنّ إذ ذاك، حاكمًا
سديدَ المرامي، يُدخل النحلَ في الشما
فما صُبَّ شهدٌ لم يُصِبْ منه لاعقٌ
وإلا غدا المشروعُ ضُرًا محتَّما
ومن لم يُصِبْ فهْو المغفَّل، تحته
جرى الماءُ دفّاقًا، وحرَّقه الظما!
ألا صمِّمِ الأخلاقَ، موريسُ، أيقظِ ال
نِيامَ على أعتاب صرحٍ تهدَّما
وبشّرْ بلبنانَ الجديدِ، بدولةٍ
يُنير دجاها الفكرُ أنزهَ أكرما!
وفي بلدٍ ألطائفيّةُ أُسُّه
لكَ الخيرُ يا موريسُ، ما خيرةُ الدمى
نصابُكَ مرسومٌ من البدء، كلُّنا
حبيسُ نصابٍ قد أرادوه مُلزما
فنحن صدى الأجدادِ، صبيانُ أهلنا
ونحن مداهم في الخلود، مُعقَّما
فصمِّمْ سماعَ الصمِّ، حَرِّكْ جمودَها
وأنطقْ بفكّ السحرِ عيّاً تلعثما!
قضى الحلمُ المجنون، شُقَّتْ حناجر الدْ
دَياجيرِ في منعاه تستنزف الدِّما
وفي موكب الإصباح، قبلَ بزوغهِ
هوى الكوكبُ الوضّاح يقطر عَندما
تمرّدتِ الأحلامُ بعد انقضاضِه
فصار ظلامُ الليلِ أظلمَ أظلما
تعامى انقباضًا في النفوسِ، كأنه
تحجّرَ فحمًا أعمهَ النفسِ أقتما
وما الليلُ والأحلام فيه كليلةٌ
جدارٌ من الظلماء في الأضلع ارتمى!
قضى الحُلُم المجنون، وانهارت الرؤى
ولكنها ظلَّت تضيء كأنما
من الحلم المجنون فيها شرارةٌ
تلألأ في الأجيال هدياً تضرَّما
أُخيَّ نعاك الفكرُ، لا المجلسُ الذي
انتحرتَ على أخشابه تُرشد العمى
ولن يخبوَ الفكر المضيء، فحسبنا
فرادى كحبّاتِ السماء تيمّما
لئن خَذَلَ الإبداعَ لبنانُ، دولةً
فقد حضَنَ الإبداعَ لبنانُ منجما
ستأتي الرياح الهوج تعصف بالألى
يعيثونَ بالرؤيا فسادًا ومغنما
عرفتُك في باريسَ، في طفرة الصبا
تروض الصبا علمًا وذُخرًا ومكرما
وتحلم بالنائي الشتيت كأنه
قريبٌ، على يمناك يهوي ململما
ودارت بنا الأيام ظلَّت تشدّنا
أواصرُ أحلام الجنون تَفهُّما
فكنتُ مسيحيًا بودِّكَ خالصًا
وكنتَ بودِّي خالصَ القلب مسلما
حياةٌ زهاءَ الأربعين تصرّمتْ
ومُتَّ وحبلُ الود لن يتصرّما
أجزْ لي، أخي موريسَ، بعدك دمعةً
فقد كنتُ لا أجزيكَ إلا التبسّما