يا عبيد الماء و الطين اسمعوا
ما هو الفقر الغني الأرفعُ
هو عرفان طريق العارفين
و ارتواء القلب من عين اليقين
ذلك الفقر عزيزٌ في غناه
هامةُ الجوزاء من أدنى خطاه
يُحْكِمُ الإبداعَ في صنع الحياه
و يرى التوحيد نبراس هداه
يرعش الكون إذا دوى صداه
ليس غير الله في الكون إله
خيبرُ حررها ذاك الفقير
لم يكن ثم سوى خبز الشعير
خاشعٌ لله ذيَّاك القدير
و إليه خاشعاً يسعى الأمير
حاله ذوقٌ و شوقٌ و رضا
ثم تسليمٌ لما الله قضى
يا له كنزاً به العيش صفا
فهو ميراث النبي المصطفى
ليله المظلم للمجد سراج
يصنع الجوهر من أدنى زجاج
يقهر المؤمن ناموس الفلك
فهو إنسانٌ و في النور ملك
فلقد تنقل دنياك إلى
حالةٍ أسمى وشأنٍ أفضلا
في هدى القرآن و الذكر الحكيم
دائم الإسعادِ موصولَ النعيم
ذلك المسكين في رقعته
يسعُ العالم في مهجته
صامتٌ ليس يُطيل الكَلِمَا
و هو بالصمت يربي أمما
و له من طاقة الروح جنان
يمنح الخامل ذوق الطيران
حوَّل العصفور نسراً في الفضاء
فبدا للأرض تفسير السماء
بنداء الحق يُحيي مدنا
و بصدق العزمِ يبني وطنا
مسلمٌ دولته فوق الحصير
كان يخشى بأسه ألف سرير
ليس يرضى العيش إلا في مقام
يستوي الشاهين فيه و الحَمام
لا يبالي من له هذا السلوك
أن يقول الحق في وجه الملوك
يتلاشى الجمر في نيرانه
و يخاف البحر من طوفانه
صوته في الشعب يذكي لهبا
و تخافُ النارُ منه الحطبا
لا ترى الأمة تخشى من مغير
و لديها مثلُ ذيَّاك الفقير
نحن باستغنائه نلقى الغنى
و على أشواقه نرجو المنى
فامتحن وجهك في مرآته
و أنشدِ الحكمة من آياته
تكتسب منه مزايا الصادقين
و تفز منه بسلطانٍ مبين
تتجلى حكمة الدين جمالا
حين يبدي الفقر عزاً و دلالا
قوة الدين و تشييد علاه
في تسامي الفقر عن ذل الحياه
كل من آمن بالله الأحد
لا يُذلُّ النفس يوماً لأحد
إن يكن في صورة النمل خَفَاء
ليس يرجو من سليمانَ عطاء
قال خير الخلق تاج المرسلين
كل أرضٍ مسجدٌ للمؤمنين
كيف يعلو منبراً للمسلمين
فوق أرضٍ في يد المستعمرين
يا لها كارثةٌ في العالمين
مسجدُ الهادي بأيدي الغاصبين
حرر الأرض معاً و المسجدا
لا يكن غيرك فيها سيدا
أيها الناصح ليلاً و نهارا
داعياً أن نترك الدنيا احتقارا
إن معنى تركها تسخيرها
في سبيل الخير لا تدميرها
و الذي يعلو على صهوتها
يأمن المحنة من عثرتها
فاتخذها من مطايا الآخره
تنجُ من تلك العجوز الساحره
هي صيد المؤمن الحر الجسور
قبل أن يصطاده فيها الغرور
كل زهدٍ لم يكن من واجدِ
فهو سلوى لعديمٍ فاقدِ
أنا من مشكلتي طال اكتئابي
حلُّها أعيا على الجهدِ صوابي
أيها الشاهين ما هذا الجمود
أين منك البأسُ أو أين الصعود
يائسٌ أم أنت مقصوص الجناح
أم خشيت الوثب في هوج الرياح
ما شكا مخلبك النسر و لا
فرَّ من عزمك طيرٌ في الفلا
الجبالُ الشُّمُّ و الآفاقُ لكْ
أيها الهاربُ من أوجِ الفلك
طِرْ إلى النجم و حلِّق من جديد
في الفضاء اللازورديِّ البعيد
فقرنا تمليه آياتُ الكتاب
ليس في رقصٍ و سكرٍ و رباب
فقرنا معناه تسخير الجهات
و احتسابٌ لجميع الكائنات
يرفع المؤمن فوق الشبهات
مَظهَراً أعلى لقدسيَّ الصفات
فقرُ أهل الكفر هدمٌ للفِطَرْ
و مجافاةٌ لعمران البشر
عيشه بين المرامي و الكهوف
لا ترى موضعه بين الصفوف
لم يكن في الدهر منذ المولدِ
غير صفرٍ في يسار العدد
ليس للمؤمن بالفقر اعتزال
هو في البرِّ و في البحر نِضالْ
بينما الأول في صمت الجمود
سار هذا نحو تعمير الوجود
ذاك يطوي العمرَ في ترك البدن
طالباً للرشدِ أو ترك الوطن
و ترى المؤمن في أمته
ينشد الحق بذاتيته
نحو إدراك المعالي ساعيا
و سراجاً في الليالي هاديا
فقرنا الحرُّ إذا ناجى القدرْ
يُرهبُ الشمس و يحتلُّ القمرْ
فقرنا العاري تولاه الزوال
قد نأى المسلم عن هذا الجلال
إنه إيمان بدرٍ و حُنَين
إنه زلزالُ تكبير الحسين
أسفاً لم يبقَ عندي سيف (لا)
و أرى غمدكَ منه قد خلا
أسفاً ، إني أرى دنيا الفتنْ
زلزلت إيمانه فيها المِحَنْ
يا شباب الحق يا ذخر الشعوب
حرروا مما سوى الله القلوب
إن دنيا اليوم أبلاها القِدمْ
فاخلقوا دنيا سواها في الأمم
أين منكم يا ذوي الماضي الكريم
غيرة الأحرار للدين القويم
طال هذا النوم عن صونٍ حَمَاه
ما أرى الموت سوى هذي الحياه
يدأبُ الحرُّ غدوَّاً و عشيَّا
ثم يبني ذاته صرحاً عَليَّا
و جهاد المصطفى برهانه
و سجايا المصطفى ميزانه
يا لقومٍ ، أنجبوا كل أمير
فمتى يولدُ في القوم فقير
لا تسلْ عن قصة القوم بيانا
أسكتَ الدمع عن الوصفِ الِّلسانا
ألمٌ أغمدَ في صدري سهامه
هو في قلبي كأهوال القيامه
هولُ هذا الحشر أعيا الواصفينا
فليقدَم في الصدر مطويَّاً دفينا
قوة الدين في النصر القريبْ
فكأن القوم في شكٍّ مُريب
أين مسعاهم و هم في العاجله
قطعوا عمداً طريق القافله
ليس للشيطان فينا مأربُ
لا و لا للصِّ منا مطلبُ
فتراثُ الدين قد طار شُعاعا
و تراثُ المالِ قد ولى ضَيَاعا
كم تغنَّى بمزايا بايزيد
ذو رياءٍ هو للورد مُريد
فيرى في دولة الأغيار رحمه
و كأن الذُّلَّ في دنياه نعمه
و ينادي أن حُكمَ الدُّخلاء
فيه للدين ازدهارٌ و ارتقاء
أيها المحروم من وجدانه
و منَ الشوق و من أشجانه
أوَ تدري أننا من عصرنا
غرباءُ فيه عن أنفسنا
كل حي معرضٌ عن ذاته
فقدَ الجوهر من مرآته
عِشْ و لو يوماً عزيز المطلبِ
أجنبياً عن طريق الأجنبي
منزلُ الشاهين في أوج السحاب
ما له يسكن في وكر الغُراب
لم يزل في الروض ظلٌّ و ثمر
فالتمس عشك في أعلى الشجر
كنْ كحد السيف في صدق المَضاء
و احتسب نفسك في كف القضاء
إن في روحك سيلاً كالعُباب
ينسف الشمَّ و يهوي بالهضاب
اندفاعُ السيل إثباتُ البقاء
و سكون الليل معناه الفناء
أنا لم أسلكْ إلى الفقه سبيلا
أتحرَّى الحكم فيه و الدَّليلا
لم أكن في الفقر ذا فهمٍ دقيق
في سلوكٍ بين روَّادِ الطريق
فكرةٌ جاش بها القلب اضطرابا
ثمَّ لم أملكْ عن القول احتجابا
كنتُ في الدين حديد البصرِ
رغم ما بي من قصور النظرِ
و انجلت واحدةٌ بين مئات
بعدَ لأيٍ من ألوفِ المشكلات
فاغتنم من فاقتي حظاً يسيرا
فعسى ألا ترى مثلي فقيرا
أيها الشادي بقرآنٍ كريم
و هو في ركنٍ من البيت مقيم
قم و أبلغ نوره للعالمين
قم و أسمعه البرايا أجمعين
إن نكن في مثل نيران الخليل
أسمعَ النَّمرود توحيد الجليل
من له من ثروة الهادي نصيب
فهو من جبريل في الدنيا قريب
يا غريباً عن مقام المصطفى
عُد إلى الحق تجد نور الصفا