الدَّمْعُ يُغْنِينِي عَنِ التَّصْرِيحِ
فَبَيَانُهُ يُزْرِي بِكُلِّ فَصِيحِ
أَمَّا الفُؤَادُ فَلَا تَسَلْ عَمَّا بِهِ
مِنْ حُرْقَةٍ وَمَرَارَةِ التَّبْرِيحِ
قَدْ كَادَ لَوْلَا أَنْتِ فِيهِ لَذَابَ مِنْ
شَوْقٍ وَسَالَ بِجَفْنِيَ المَقْرُوحِ
رِفْقًا بِمَنْ ذَهَبَتْ لَيَالِيَ عُمْرِهِ
فِي ذِكْرِ ظَبْيٍ بِالْوِصَالِ شَحِيحِ
مَا بَيْنَ نَاظِرِهِ وَبَارِقِ ثَغْرِهِ
أُنْسُ المُتَيَّمِ بَلْ عَذَابُ الرُّوحِ
يَا رَبَّةَ الحُسْنِ الأَرَقِّ مِنَ الهَوَى
رِفْقًا بِقَلْبٍ فِي هَوَاكِ جَرِيحِ
يَكْفِي اللِّقَاءُ سُوَيْعَةً أَحْيَا بِهَا
وَعَلَيَّ مَا أَلْقَاهُ بَعْدَ نُزُوحِ
يَا عَادِلُ اكْفُفْ لَا تُطِلْ فِي ذِكْرِهَا
فَالشَّيْبُ وَافَى وَهْوَ خَيْرُ نَصِيحِ
أَ تَعِيشُ عُمْرَ النَّسْرِ أَمْ عَنْ سَاعَةٍ
تُدْعَى لِتُلْحَدَ فِي مَضِيقِ ضَرِيحِ
مَا هَذِهِ الدُّنْيَا الغَرُورُ وَحُسْنُهَا
لِلْعَارِفيَن سِوَى لِقَاءِ نَزِيحِ
فَازْهَدْ وَلَا تَرْكَنْ لِوَهْمٍ ظَنَّهُ
أَهْلُ الجَهَالَةِ مَوْطِنَ التَّرْبِيحِ
أَنَا لَسْتُ قَالِيَ هَذِهِ الدُّنْيَا فَإِنْ
نَ عَذَابَهَا مَهْرُ الجِنَانِ الفِيحِ
هِيَ دَارُ عِزِّ كَرَامَةٍ لِلْمُتَّقِي
رَبَّ العِبَادِ وَلَمْ يَجِئْ بِقَبِيحِ
وَمَقَامُ عُبَّادِ الإِلَهِ وَمَنْزِلٌ
لِلْأَوْلِيَا مِنْ مُدْنَفٍ وَصَحِيحِ
وَلَخَيْرُ مَا فِيهَا اتِّبَاعُ مُحَمَّدٍ
قُطْبِ الوُجُودِ وَسِرِّ بَعْثِ الرُّوحِ
لَوْلَاهُ مَا قَامَ الوُجُودُ وَلَا ازْدَهَى
قَمَرٌ وَلَمْ نُبْصِرْ مَشَارِقَ يُوحِ
كَلَّا وَلَمْ تُنْشَأْ لِخَلْقٍ طِيَنةٌ
مِنْ قَبْلِ آدَمَ ذِي الْجَلَالِ وَنُوحِ
وَلَألْفُ آدَمَ قَبْلَ سَيِّدِنَا مَضَتْ
أُمَمٌ بِذَا وَحْيُ الإِلَهِ المُوحِي
فَاللهُ أَخْبَرَنا بِآيَاتٍ لَهَا
غَدَتِ العُلُومُ دَلَائِلَ التَّوْضِيحِ
فَالنَّاسُ فِي عَهْدِ الرَّسُولِ عُلُومُهُمْ
وَقْفٌ عَلَى القَيْصُومِ ثُمَّ الشِّيحِ
وَمَرَاحِ أَجْمَالٍ وَرَعْيِ سَوَائِمِ
وَرِحَالِ أَنْيَابٍ وَسَرْجِ سَبُوحِ
وَشَرَابُهُمْ طَرَقٌ وَقَتٌّ أَكْلُهُمْ
لَا يَسْمَعُونَ سِوَى هَزِيزِ الرِّيحِ
هُمْ نُهْزَةٌ لِلطَّامِعِينَ وَمُزْعَةٌ
لَلآكِلينَ لِقَائِلٍ وَنَزُوحِ
فَإذَا اعْتَزَوُا فَلِكُلِّ جِلْفٍ أَهْوَجٍ
جَافٍ غَدُورٍ بَالوَفَاءِ شَحِيحِ
وَإِذَا تَسَامَوْا فَالظُّبَا هِنْدِيَّةٌ
عَرَبِيَّةٌ بِنَجِيعِهَا المَسْفُوحِ
ظُلْمًا وَعُدْوَانًا وَغَايَةُ فَخْرِهِمْ
أَنْ يَفْتِكُوا عَدْوًا بِكُلِّ جَرِيحِ
هَا هُمْ أُولَئِكَ عَاشَ فِيهِمْ أَحْمَدٌ
نَوَرًا أَطَلَّ فَضَاءَ كُلُّ فَسِيحِ
شَهِدَ الجَهَالَةَ وَالضَّلَالَةَ أَطَبَقَتْ
بِظَلَامِهَا فِي عَالَمٍ مَقْبُوحِ
فَزَهَتْ بِهِ الدُّنْيَا وَأَزْهَرَ نَوْرُهَا
وَتَرَنَّمَتْ بِبَدَائِعِ التَّوْشِيحِ
فَغَدَتْ ثَنِيّاتُ الْوَدَاعِ مُنِيرَةً
بِلِقَاءِ وَجْهٍ كَالصَّبَاحِ صَبِيحِ
وَجْهٌ كَأَنَّ عَلَى سَرَارَةِ نُورِهِ
بُشْرَى الدُّهُورِ وَمَحْقَ رَانِ كُلُوحِ
هُوَ أَحْمَدٌ وَافَى فَيَا دُنْيَا ارْشِفِي
كَأْسًا دِهَاقًا مِنْ أَغَرِّ مَلِيِح
كَأْسَ المَوَدَّةِ وَالأُخُوَّةِ وَالوَفَا
مِنْ كَفِّ بَرٍّ بِالأَنَامِ سَمُوحِ
مِنْ كَفِّ أَعْظَمِ مُرْسَلٍ فَمُحَمَّدٌ
خَيْرُ الوَرَى وَجَمَالُ كُلِّ مَدِيحِ
بِشَمَائِلٍ رَقَّتْ وَكَادَ سُلَافُهَا
يَسْبِي العُقُولَ بِسِحْرِهَا المَسْمُوحِ
وَمَعَاجِزٌ وَافَى بِهَا لَمْ تَجْتَمِعْ
فِي نُوحِ أَوَّلِ مُرْسَلٍ وَمَسِيحِ
وَالرَّحْمَةُ المُهْدَاةُ وَارِفُ ظِلِّهِ
جَنَّاتُ عَدْنٍ مُنْتَهَى المَطْمُوحِ
وَمَرَابِعٌ عَفَّى الفُسُوقُ غِيَاضَهَا
أَضْحَتْ رَبِيعَ الذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ
وَإِذَا اسْتَسَاغُوا رَنْقَ وِرْدٍ مُوبِئٍ
رَوَّاهُمُ بِالعَذْبِ بَعْدَ اللُّوحِ
فَغَدَوْا بِسَابِغِ فَضْلِهِ رَوْقَ الجَدَا
بِالأَنْفَسَيْنِ المَالِ ثُمَّ الرُّوحِ
يَتَنَافَسُونَ عَلَى المَنُونِ كَأَنَّهُمْ
يُدْعَوْنَ بَعْدَ غُبُوقِهِمْ لِصَبُوحِ
صَحِبُوا النَّبِيَّ فَطَلَّقُوا الدُّنْيَا لِمَا
فِيهِ العُلَا فِي دَامِيَاتِ السُّوحِ
قَدْ آثَرُوا نَصْرَ الرَّسُولِ وَجَاهَدُوا
فِي اللهِ صَوْلَةَ ذِي اقْتِدَارِ مُشِيحِ
صَوْنًا لِدِينِ مُحَمَّدٍ مِنْ مُعْتَدٍ
أَوْ غَاشِمٍ لِدَمِ الهُدَاةِ سَفُوحِ
صَلِّ عَلَى الهَادِي النَّبِيِّ وَآلِهِ
مِلْءَ الفَضَاءِ وَمِلْءَ كُلِّ فَسِيحِ