تخطَّ إلى المحتوى

الليل متشح بالصمت والريح تهمس للظلال

شعر التفعيلة

٣٦ بيت

النسيب

اللَّيْلُ مُتَّشِحٌ بِالصَّمْتِ وَالرِّيحُ تَهْمِسُ لِلظَّلَالْ

لَا شَيْءَ يُوقِظُنِي سِوَى وَمْضِ المَحَطَّةِ فِي انْكِسَارْ

وَنَبْحِ كَلْبٍ أَوْ حَمَامٍ فِي الحَقُولِ يَئِنُّ، يَبْكِي الانْتِظَارْ

هُنَاكَ فِي بَعْضِ الجِهَاتِ... مَرَّ القِطَارْ

مَضَتْ عَجَلَاتُهُ كَمَا مَضَتِ السِّنِينُ بِلا خَبَرْ

وَتَرَكْتَنِي... وَتَرَكْتَ فِي عَيْنَيَّ مِنْ ضَوْءِ السَّفَرْ

طَيْفًا يُلَوِّحُ بِاليَدَيْنِ... كَأَنَّهُ دُخَانُ نَارْ

مَرَّ القِطَارُ وَغَابَ فِي صَمْتِ الطَّرِيقْ

لَمْ يَحْمِلِ المَوْعُودَ فِي صَفٍّ طَوِيلْ

كُلُّ العُيُونِ مُتْعَبَةْ، تَنْظُرُ مِنْ نَافِذَةِ المَمَلِّ

وَتَسْتَفِيقُ عَلَى صَفِيرٍ، ثُمَّ يَخْنِقُهَا النَّعَاسُ عَلَى العَجَلْ

وَأَنَا هُنَا...

عَيْنِي عَلَى أَثَرِ القِطَارِ المُرْهِقِ السَّيْرِ البَعِيدْ

وَحْدِي أُحَدِّقُ فِي النُّجُومِ الحَالِمَاتْ

أَتَخَيَّلُ الرُّكَّابَ، وَالأَعْيُنَ الذَّابِلَةْ

وَالغُرَبَاءَ المُتَثَائِبِينَ، يُحْصُونَ أَمْوَاجَ الظُّلُومَاتِ الثَّقِيلَةْ

وَالبَابَ يَفْتَحُهُ القِطَارُ كَأَنَّهُ فَمُ الزَّمَانْ

يَبْلَعُ الأَسْرَارَ، يَحْبِسُ الأَحْلَامَ، يُحْكِمُ الأَغْلَاقَ عَلَى الأَوْجَاعِ وَالنِّسْيَانْ

وَمَضَيْتَ أَنْتَ... كَمَا مَضَى ذَاكَ القِطَارْ

لَا صَوْتَ يَرْوِي لِي حِكَايَاتِ السَّفَرْ

لَا أَثَرْ...

إِلَّا غُبَارًا فِي المَمَرِّ وَرَجْعَ صَفِيرْ

وَسُؤَالَ عَيْنِي: هَلْ تَعُودُ مَعَ النَّهَارْ؟

وَمَضَى الخَفِيرْ

يَحْمِلُ السِّرَاجَ وَيُفَتِّشُ فِي وُجُوهِ الرَّاكِبِينْ

لَا أَثَرٌ لِحُبِّي... لَا رَسَائِلَ... لَا حَنِينْ

هَلْ رَآكَ كَمَا رَآنِي بَائِسًا فِي المُنْتَهَى؟

أَمْ أَنْتَ غَيْرُكَ؟ أَمْ تُرَانِي غَيْرَنَا؟

وَتَدُورُ أَقْدَامُ الخَفِيرْ

يَمْضِي وَيَتْرُكُنِي وَحِيدًا كَالضِّيَاءْ

مُسْتَنْفِرًا مَا زَالَ فِي قَلْبِي مِنَ الدُّعَاءِ

يَا لَيْتَ أَقْدَامَ القِطَارِ تَعُودُ بِكَ...

يَا لَيْتَ لَيْلِي يَسْتَحِيلُ إِلَى ضِيَاءْ

لَكِنَّهُ... مَرَّ القِطَارْ

وَأَنَا هُنَا مَا زِلْتُ أَرْقُبُ فِي انْتِظَارْ

وَأَوَدُّ لَوْ جَاءَ القِطَارْ...