أأبكي والليالي لا تبالي
بصدرٍ ضاق من طولِ اشتعالي
وأمضي بينكم جسدًا ولكن
روحي تشتكي صمتَ انشغالي
سأمضي لا رفيقٌ يستر الدمع
ولا خِلٌّ يُواسي في انتقالي
وأمكث بينكم حيًّا كميتٍ
كأنّي غائبٌ قبل الزوالِ
فإن متُّ استفقتم بعد حينٍ
كأنّي لم أكن يومًا ببالي
ستبكوني قليلاً ثم تمضوا
كما نُسيت وجوهٌ في الرمالِ
وكم من راحلٍ بالأمسِ كنتم
ترون البعد فيه من المحالِ
فلما غابَ صار حديثَ ذكرى
تبدّد بين أيديكم كسالي
كذا الدنيا تُقلّب كل حيٍّ
ولا تبقي على عهد الوصالِ
تحبُّ الحيَّ ما دامت يداهُ
تمدُّ الودَّ في حسنِ الفعالِ
فإن وارت ثراهُ الأرضُ نُسي
كأن لم يُشعل الأشواقَ بالي
وأعلمُ أن موتي بين صدري
سيأتي دون علمٍ أو سؤالِ
سأُطوى في الظلامِ بلا نداءٍ
ولا عينٍ تُراقبُ ما اعتلالي
تمرُّ عليَّ أيامٌ ثقالٌ
وأغدو في سكونٍ وانفصالِ
فلا جدرانُ تدري ما أعاني
ولا الأبوابُ تسمعُ ما مقالي
سأُدفن في السكون بلا وداعٍ
كأنّي لم أُزر يومًا دياري
فإن علموا بمرضي بعد موتي
تحدّث بعضهم عن سوءِ حالي
ويُسقط آخرون الذنب عنهم
ويُلقون اللوم فوق احتمالي
كأنّي كنتُ وحدي في جحيمي
ولم يشهد أحدٌ طولَ احتراقي
ولكن لي إلهٌ لا يضيعُ
بكاهُ القلبُ في سرّ الليالي
إلهٌ يعلمُ الآهاتِ مني
ويدري ما جرى خلفَ انفعالي
إذا ضاقت بي الدنيا ناديتُ
فكان السمع منه لابتهالي
فما خاب الذي ألقى رجاهُ
بربٍّ واسعٍ كلُّ الجمالِ
سيغفر ما مضى منّي ويرعى
بقايا الروح في درب الكمالِ
فإن قست القلوبُ عليَّ يومًا
فربّي كان أوفى من وصالي
وإن ضاق الفضاءُ بكل صدري
ففي رحماته ألقى مجالي
سأرحل والرجاءُ هو المعزّى
بأن الله يعلمُ ما اعتلالي
فلا الدنيا تدومُ على ودادٍ
ولا الأصحابُ تبقى في اتصالي
هي الأيامُ تأكل كل حيٍّ
وتبقي الذكرَ طيفًا في الخيالِ
فلا تركن لقربٍ دون صدقٍ
ولا تغترّ بالبسماتِ خالي
فكم من ضاحكٍ أخفى جفاءً
وكم من صامتٍ ملأ الليالي
سأمضي والسكينةُ في فؤادي
بأن الله يعلمُ ما بحالي