أخاطب في الآفاق صناع موقف
بموضع القرار حيث الظل يختبئ ويكتب
تدار بها الأفعال باسم قيادة
وفي ظاهر القول وجه مهذب
إذا رفعت رايات مبدأ أمة
تبين أن الخلف فيها مركب
وكم من شعار في العيون منمق
وفي باطن المعنى انحراف يصاحب
يساق إلى الجيران فعل منمق
وفي طيه مشروع بسط يقرب
تحاك خيوط النفوذ بمهلة
كأن خطا التاريخ فيها تدرب
ومن مركز القرار الذي هو مستور
تدبر أطراف المدى وترتب
ويبدو المشهد اليوم مضطرب
كبحر خفي الموج يعلو ويضطرب
إذا بدا في الأفق شكل سياسة
رأيت وراء الستار الوجه يحجب
وفي أرض دجلة كم مجال مداخل
تسير به الأيدي الخفية تلعب
وفي الشام أمواج الحوادث أرهقت
مدى بات من طول الصراع يعذب
وفي اليمن الجرح القديم تجددا
كأن صدى الآلام فيه معقب
وتعلو نداءات الشعوب كأنها
سؤال عظيم بالحقيقة يكتب
لماذا يدار النزف سرا وجهرة
ومن ذا الذي من خلف ستر يرتب
تصاغ روايات المصالح كلما
تعارض ميزان الحقيقة يقلب
ويلبس ثوب الحق زورا وربما
يمال به حيث الهوى يتغلب
وما تستقيم الأرض إن غاب عدلها
ولا يستقر الملك حين يخرب
وكم دولة شادت نفوذا محصنا
فأصبح كالأطلال حين يقلب
تشيد أحلام السيطرة حقبة
ولكنها عند انكشاف تسحب
إذا قام بنيان على غير بصيرة
فكل الذي يبنى عليه سيذهب
ويبقى سؤال الناس يعلو ملحا
إذا طال ليل الزيف كيف نجنب
ومن يزرع الإرباك يحصد نتيجه
ولو طال إخفاء الذي هو يكتب
وما السياسة الكبرى بقول مزيف
ولكنها فعل به الحكم يكسب
ولا ينفع الإعلان إن خالف الورى
ولا القول إن زاغ الطريق يصوب
ويبقى المدى مفتوح عين راصدة
لمن يتأمل ما يجري ويرقب
وإن الذي يخفى سيظهر آية
ويصبح مكشوفا لمن كان يحسب
ولا خلد لنفوذ بني على الأذى
فكل بناء الظلم يوما يهدم
وتبقى الشعوب الصابرات كأنها
جبال على مر العواصف تغلب
ولكنها إن ثارت الحق بأسها
يعيد لها مجدا به تتوثب
وكم فكرة زان الشعار بريقها
وفي عمقها قصد خفي معذب
وتبقى البلاد المستباحة حقبة
تعيش صراعا لا يكاد يرتب
ويسقط من يبني الخفايا سياسة
إذا ما جلا ضوء الحقيقة يكذب
ولا بد للتاريخ يوما شهادة
يبين فيها من أصاب ويخطب
وتبقى الحقائق كالشمس إن بدت
تبدد ليل الزيف حين تقرب
ومن يعتمد ستر الوقائع حقبة
سيلقى انكشافا حتمه يتعقب
فلا تثبت الأقدام إن غاب رشدها
ولا يستقيم الحكم حين يعطب
وتبقى البلاد التي تبتغي العلا
تعيد بناء الفكر حتى يهذب