تخطَّ إلى المحتوى

ردوا الملام فإن الشوق يولعه

البسيط

٩٠ بيت

النسيب

رُدُّوا المَلامَ فإِنَّ الشَّوقَ يُولِعُهُ

مُذ بَانَ عَن صَدَفٍ كَانَت تُرَصِّعُهُ

مَضَتِ العُقُودُ وَالأَوجَاعُ تَنحِتُهُ

وَالذِّكرُ في جَسَدٍ مَضنًى يُبَضِّعُهُ

سَقَى اللهُ أَرْضاً بِ "الشَّمالِ" حَنِينُهَا

يَؤُزُّ فُؤادِي، وَالضُّلُوعُ تُقَعْقِعُهُ

يا عَاذِلِي في هَوى "سَلقينَ" مَعذِرَةً

فَالقَلبُ في وَجهِ مَن أَهوى مَوضِعُهُ

رَعَى اللهُ وَجْهاً فِي "سَلَقِينَ" نُورُهُ

يُشِعُّ، وَلَيْلُ الغُرْبَتَيْنِ يُقَنِّعُهُ

مَا لِلمَلامِ إِلى سَمعِي وطَرِيقُهُ

بَحرٌ مِنَ الدَّمعِ حَالَت دُونَهُ المَنَعَهُ

قَد كانَ صَلباً بِمَوجِ الخَطبِ يَدفَعُهُ

فَهَدَّ هَذَا البَيْنُ مَا كَانَ يَرْفَعُهُ

عذلْتَ قَلبي وما استَبصَرتَ مِحنتَهُ

واللَّومُ في صَممِ الآذانِ يَقْدَعُهُ

رُوَيدَكِ يا نُفوسَ العَذلِ كُفِّي فَقَد

جَازَ المَدى أَلَمٌ في الرُّوحِ نَشرَعُهُ

كَيفَ السَّبيلُ لِمَن بَاتَت مَدامِعُهُ

تَحكِي هَوىً لَم يَكُن لِلناسِ يُطلِعُهُ

لَو كُنتَ تَدري بِمَا أَلقى لَمَا كَثُرَت

نِصالُ نُصحِكَ، بَلْ دَمعي تُشَيِّعُهُ

هُوَ الغَرِيبُ فُؤَادِي لا تُفَارِقُهُ

حَسَرَاتُ وَجْدٍ، وَصَوْتُ النَّايِ يَفْجَعُهُ

وَما أَرى بَعدَ "سَلقينٍ" لِيَ وَطَناً

إِلا ضَريحاً بِيَدِ البُعدِ أَذرَعُهُ

فدَعْ مَلامَكَ إنَّ الهَمَّ حَاصَرَني

مِثلَ الغَمامِ الذي لِلأَرضِ يُفْزِعُهُ

إِنّي أَرى النُّصحَ لِي جُرماً يُضاعِفُ لِي

وَجداً قَدِيماً وَنَاراً لَيسَ تَرْدَعُهُ

يَكفِيهِ أَنَّ رِيَاحَ البُعدِ مَانِعَةٌ

عَبيرَ عِطرٍ شَذَا المَحبوبِ يَطبعُهُ

أَحِنُّ لِعِطْرٍ لَوْ تَنَفَّسَهُ الرَّدَى

لَعَاشَ، وَالرُّوحُ فِي المَيتِينَ تَشْعَشَعُهُ

عَشِقْتُ ضِياءً فِي جَبِينِكِ سَاطِعاً

فَلا الشَّمْسُ تَحكِيهِ وَلا البَدْرُ يَصْنَعُهُ

عَشرٌ مَضَت ما رأى رُوحاً تُؤانِسُهُ

إلا خَيالاً بِنَومِ الليلِ يُرْوِعُهُ

كَأَنَّمَا المَرْءُ فِي غُرْبَاتِهِ غَرَضٌ

سَهمُ الحِرمَانِ في الأَحشاءِ مَنزَعُهُ

عَشْرٌ مَضَتْ كَالنِّصَالِ السُّودِ حَادِثَةً

تُمَزِّقُ صَبْرِي، وَالبُعَادُ يُخَضِّعُهُ

يُسَائِلُنِي الوُجْدَانُ: هَلْ أَنْتَ عَائِدٌ؟

فَيَخْنُقُنِي صَمْتٌ، وَدَمْعِي يُجَرِّعُهُ

نَسِيمُ سَلْقِينَ لَوْ مَرَّتْ ذَوَائِبُهُ

لَقُلتُ طِيبٌ، مَلاكُ الخُلدِ صَنَّعُهُ

يَا مَن لَها طَلعَةٌ كالفَجرِ قَد بَسَقَت

فَجَلَّ مَن صَوَّرَ الحُسنَ وَأَبدَعُهُ

عَيناكِ كَرمٌ، وَخَمرُ الحُزنِ تَعصِرُني

وَسِحرُ لَحظِكِ صِدقاً لَستُ أَدفَعُهُ

لَكِ انحِناءُ جِباهِ الوردِ خَاشِعَةً

وَإِن سَجَدتِ، فَكُلُّ الطِّيبِ يَذْرَعُهُ

مَا غَابَ عِطرُكِ عَنْ رُوحِي وَإِن بَعُدَت

تِلكَ الدِّيارُ، فَوَسمُ الحُبِّ يَدْمَعُهُ

أَينَ التِي كَانَ وَجهُ الصُّبحِ يَعرِفُها

فَغَارَ مِنهَا، وَنُورُ الشمسِ يَتبَعُهُ

تَمُرُّ ذِكراكِ مِثلَ الخَمرِ في كَبِدِي

فَتُوقِظُ الوجعَ المَنسِيَّ وَتَلْسَعُهُ

لَو كَانَ لِلحُسنِ شَرعٌ يُهتَدى بِهِ

لَكُنتِ آياتِهِ، وَالقَلبُ مَجمَعُهُ

إِذا الزَّمانُ أَرَاهُ الصَّبرَ مَكرُمَةً

هَاجَ اشتِياقٌ لِ "سَلقينٍ" يُزَعزِعُهُ

وَيَمِيدُ بِي الشَّوْقُ العَنِيفُ كَأَنَّني

غَرِيقٌ بِإِعْصَارٍ، وَمَوْجٌ يَقْذَعُهُ

صَبَرْتُ حَتَى مَلَّ صَبْرِي مِنَ الجَفَا

وَكُلُّ جِدَارٍ فِي الفُؤَادِ يُقَلِّعُهُ

تَأبى المَواجعُ إلا أَن تُواثِبَهُ

فِي غُربةِ الروحِ كَدّاً لَيسَ يَهجَعُهُ

وَمَا عَنَاءُ الفَتى يُدني لَهُ أَمَلاً

بِوصلِ خِلٍّ إِذا الأَقدارُ تَقْمَعُهُ

أَرُومُ وِصَالاً وَالمَسَافَاتُ بَيْنَنَا

مَدَى الدَّهْرِ، وَالحَظُّ العَثُورُ يُقَطِّعُهُ

لَكِنَّها قِسمَةُ الأَرزاقِ نَازِلَةٌ

وَالحُبُّ رِزقٌ وَرَبُّ العَرشِ يُودِعُهُ

فَلا تَعْجَبُوا أَنَّ المَحَبَّةَ غُصَّةٌ

فَكُلُّ نَصِيبٍ، ذُو الجَلالِ يُشَرِّعُهُ

وَكُلُّ حِرْصٍ عَلَى الآمَالِ مَنْقَصَةٌ

إِنْ لَمْ يَكُنْ لِشَتَاتِ الشَّمْلِ يَجْمَعُهُ

وَالدهرُ يُعطي كُؤوسَ المُرِّ مُترَعَةً

وَيَمنَعُ القُربَ حِيناً ثُمَّ يَفْجَعُهُ

وَمَا نَفْعُ حِرْصِي وَالدِّيَارُ بَعِيدَةٌ

وَسَيْفُ المَنَايَا لِلأَمَانِي يُرْوِعُهُ

تَجَرَّعْتُ فَقْدِي فِي الاغْتِرَابِ كَأَنَّهُ

مُذَابُ زُعَافٍ، وَالتَّلَهُّفُ يَنْقَعُهُ

ضَاقَت بِيَ الأَرضُ، لا رِزقٌ يُصَبِّرُني

إِذا فَقَدتُ حَبيبَاً كُنتُ أَطْمَعُهُ

فَمَا مُجَاهَدَةُ الأَيامِ نَافِعَةٌ

إِن كانَ سَهمُ القَضَا مَوتَاً يُشَيِّعُهُ

رُزِقتُ صَمتاً وَفِي الأَحشاءِ مَعركَةٌ

وَقُوتُ يَوْمِي سِجَالُ الدَّمْعِ أَمْنَعُهُ

أَيَا بْنُ زُرَيْقٍ لَوْ رَأَيْتَ صَبَابَتِي

لَهَانَ عَلَيْكَ "الكَرْخُ" مِمَّا أُجَرَّعُهُ

أَستَودِعُ اللهَ في "سَلقينَ" غَالِيَةً

بِأرضِ "زيتونها" وَالوَجْهُ مَطْلَعُهُ

وَدَّعتُها وَفُؤادي كَانَ يَسبِقُهَا

لِلمَوتِ لَولا رَجاءٌ كُنتُ أَزرَعُهُ

وَكَم تَشَبَّثَ بِي صَمتي وَصَرخَتُها

وَجَمْرُ حُزْنِي بِنَارِ الوَجْدِ يَلْذَعُهُ

تَمُزِّقَ جِلْبَابُ اللِّقَاءِ بِغُرْبَتِي

وَثَوْبُ اشْتِيَاقِي بِالدُّمُوعِ أُوَشِّعُهُ

فَكَمْ فِي "سَلَقِينَ" مِنْ مَهَاةٍ جَمِيلَةٍ

عَلَيْهَا وِشَاحُ الحُزْنِ شَابَ مُقَبَّعُهُ

عَشرٌ مِنَ البَينِ نَالَ السُّهدُ صَفحَتَها

فَمَدْمَعِي بِدَمِ الأشْوَاقِ أَجْرَعُهُ

ظَلَمْتُ نَفْسِي حِينَ غَادَرْتُ جَنَّتِي

وَكُلُّ لَبِيبٍ، سُوءُ رَأْيٍ يُضَيِّعُهُ

رُزِقْتُ قُرْبًا فَأَذْنَبْتُ الرَّحِيلَ بِهِ

وَمَنْ جَنَى البَيْنَ فَالآهَاتُ تَوْجَعُهُ

وَمَن غَدا بِنَعيمِ الوَصلِ في دَعَةٍ

ثُمَّ استَهَانَ فَإِنَّ اللهَ يَنزَعُهُ

لَكَ القَوافِي وَإِن بَزَّت مَعَانِيَها

فَقَلبي اليَومَ في "سَلقينَ" مَطْمَعُهُ

تَحدَّيتُ نَظمَكَ لا فَخراً وَلا بَطراً

لَكِنَّ فَقدي بِالآهاتِ يُقْذِعُهُ

أَنا "الرَّحَالُ" وفي شِعري نَوافِحُها

مَدينَتي حُبُّها نَارٌ تُطَوِّعُهُ

لَوْ زُرْتَ "سَلْقِينَ" يَوْمًا لَارْتَعَشْتَ بِهَا

وَغَابَ شِعرُكَ وَاندَكَّت مَشَافِعُهُ

سَأجْعَلُ الحَرفَ نِبراساً لِغُربَتِنا

وَسِيفَ صِدقٍ بِبَحرِ الوجدِ أَشْرَعُهُ

اِعتَضتُ مِن وَجهِ مَن أَهوى وَإِشرَاقِهِ

كَأسَ النَّوَى مُرَّةً وَالصَّبرُ يُتْرِعُهُ

كَم قائلٍ لي نَسيتَ العَهدَ؟ قُلتُ لَهُ:

الذَّنبُ ذَنبي وَثِقلُ الهَمِّ أَرفَعُهُ

أَلا أَقمتُ بِجَنبِ الخِلِّ مُعتَصِماً

لَو أَنَّني يَومَ بَانَ الرَّكْبُ أَتْبَعُهُ

إِنِّي لأَقطَعُ أَيَّامي بِمَغصَةِ مَن

فَارَقْتُهُ وَفُؤادي لا يُطَاوِعُهُ

بِمَن إِذا هَجَعَ النُّوَّامُ عُدتُ لَهُ

بِلَوعَةٍ في صَميمِ الروحِ تَصفَعُهُ

مَا كُنتُ أَحسَبُ عَشرَاً لَيسَ تَجمَعُنا

وَلا لَهيباً بِجَوفِ القَلبِ مَنبَعُهُ

بَكَيْتُ عَلَى قَلْبِي الَّذِي قَدْ تَرَكْتُهُ

أَسِيرَ قَيْدٍ، وَالزَّمَانُ يُرَوِّعُهُ

حَتَّى رَمَى البَيْنُ بَيْنَ الدَّارِ حَاجِزَهُ

سَدّاً مَنيعاً وَكُلُّ الوَجدِ يُصَدِّعُهُ

فَلا القَلْبُ يَسْلُو، لا وَلا العَيْنُ تَنْطَفِي

وَلا المَوْتُ يَدْنُو لِلشَّقِيِّ فَيَصْرَعُهُ

تَؤُمُّ بِي الغُصَّاتُ نَحوَ حَيَاضِها

وَيَهرُبُ الصَّدرُ، وَالأنفاسُ تَلْذَعُهُ

خَريفُ عُمري جَرى بِالسَّقمِ نَحوَ فَمِي

وَكُلُّ حُلْمٍ يَدُ البُؤْسِ تَمْزَعُهُ

سَأَلْتُ نَفْسِيَ: هَلْ لِلشَّوْقِ آخِرَةٌ؟

فَصَاحَ بِي الوَجدُ: هَذا الهَمُّ أَرْبَعُهُ

بَكَيْتُ حَتَّى شَكَتْ عَيْنَايَ مِنْ هَمَلٍ

وَغَاضَ جَفْنِي، وَخَفَقَانِي أُشَيِّعُهُ

كَأَنَّ قَلبي عَلَى مِجمَارِ بَينِهِمُ

طَيرٌ صَغيرٌ، وَنَارُ البُعدِ تَلْسَعُهُ

سَلامُ نَفسٍ عَلى مَن لا أُكَلِّمُها

لَكِنَّ قَلبي بِهَمسِ الليلِ يَسمَعُهُ

بِاللهِ يَا دَارَ "سَلقينٍ" وَمَنزِلَها

هَل لِلحَبيبِ إِيابٌ مَن يُطَمِّعُهُ؟

أُنَادِي "سَلَقِينَ" العَظِيمَةَ بَاكِياً

فَيَرْتَدُّ صَوْتِي، وَالجَوَى لا يُرَجِّعُهُ

هَل الزَّمانُ مُعيدٌ نَشرَ رِيحَتِها؟

أَمْ عِطْرُهَا غَابَ وَالتَّذْكَارُ يُوجِعُهُ

فِي ذِمَّةِ اللَّهِ مَن رُوحي بِمَنزِلِها

وَجادَ غَيثٌ ثَرى اللُّقيا فَيُمرِعُهُ

نَقَشْتُ هَوَاهَا فِي النُّخَاعِ عَقِيدَةً

وَكُلُّ مِثَاقِي، بِالوَفَاءِ أُدَرِّعُهُ

مَن عِندَه لِي وِدَادٌ لَستُ أُنكِرُهُ

كَمَا لَه شَوقُ صِدقٍ لَستُ أَمْنَعُهُ

لأَصبرَنَّ عَلى دَهرٍ يُعذِّبُني

بِالبُعدِ عَنها لَعَلَّ اللهَ يَسْمَعُهُ

رَفَعْتُ يَدِي نَحْوَ السَّمَاءِ تَضَرُّعاً

لِكَيْ يَأْذَنَ المَوْلَى بِمَا أَسْتَوْدِعُهُ

عَسَى جَامِعُ الأَشْتَاتِ يَجْمَعُ بَيْنَنَا

بِظِلِّ بَسَاتِينٍ، وَعِطْرٌ يُضَوِّعُهُ

سَلامٌ عَلَى مَنْ بِالحُشَاشَةِ حَلَّتِ

وَإِنْ حَالَ سَدٌّ، فَالغَرَامُ يُزَعْزِعُهُ

وَإِن تُغِلُّ لِحُكمِ المَوتِ طِيَّتُنا

فَكُلُّ حَيٍّ قَضَاءُ اللهِ يَصْرَعُهُ

يَا رَبُّ هَب لِي لِقَاءً بَعدَ فُرقَتِنا

فَقَدْ تَلاشَى صَبْرِي، وَالأَسَى يَكْرَعُهُ

وَاختِم حَياتِي بِذِكرِ الشامِ مُنتَصِراً

وَفِي سَلَقينَ تُرابي حِينَ تُودِعُهُ

هَذي قَصِيدَةُ "رَحَّالٍ" بِذِمَّتِهِم

هِيَ اليَتيمَةُ، وَالإِخلاصُ مَنبَعُهُ

تَمَّت بِحَمدِ الذي قَد زَانَ نَظمَتَها

وَبِالعَشْرِ نُوراً، فَالخِتَامُ أُرَصِّعُهُ