بَدَأتُ بِبِسْمِ اللهِ قَوْلاً مُفَصَّلَا
عَلَى رَبْعِ شِقٍّ بِالغَرَامِ مُزَلْزَلِ
أُدِيرُ لِحَاظِي فِي السَّمَاءِ لَعَلَّنِي
أَرَى نَجْمَ سَعْدٍ فِي المَدَارِ المُحَوَّلِ
فَمَا الشِّعْرُ إِلَّا نَفْثَةٌ مِنْ جَوَانِحِي
إِذَا مَا دَهَانِي الكَرْبُ أَوْ كُنْتُ فِي خَلِي
قِفَا نَسْتَعِدْ عَهْدَ الشَّبَابِ المُدَلَّلِ
بِدَارٍ عَفَتْ آثَارُهَا بَعْدَ مَنْزِلِ
مَعَالِمُهَا بَادَتْ وَأَخْنَى زَمَانُهَا
عَلَى رَبْعِ عُفْرٍ دَارِسِ الرَّسْمِ مُغْوِلِ
تَرَى الرِّيحَ تَذْرُو فِي رُبَاهَا غُبَارَهَا
كَنَثْرِ رَمَادٍ فَوْقَ رَوْضٍ مُجَدَّلِ
وَمَا لِيَ ذُخْرٌ غَيْرَ دَمْعٍ سَكَبْتُهُ
عَلَى طَلَلٍ بَيْنَ الكَثِيْبِ فَيَذْبُلِ
يَلُومُونَنِي فِي سَحِّ دَمْعِي وَحُرْقَتِي
وَقَالُوا: اتَّئِدْ يَا صَاحِ لَا تَتَهَبَّلِ
كَأَنِّي غَدَاةَ الحَيِّ شَدُّوا رِحَالَهُمْ
شَجِيٌّ بَرَاهُ البَيْنُ فِي حِيْنِ مَعْزِلِ
كَفِعْلِكَ فِي سَارَى وَنُعْمٍ وَقَبْلَهَا
بِذِي السِّرِّ إِذْ بَانَتْ بِوُدٍّ مُبَدَّلِ
فَأَسْبَلْتُ دَمْعِي لَوْعَةً وَتَحَسُّراً
عَلَى الخَدِّ كَالغَيْثِ الهَتُونِ المُهَلَّلِ
أَلاَ رُبَّ يَوْمٍ طَابَ فِيهِ لِقَاؤُنَا
بِأُنْسٍ وَتَحْنَانٍ وَعَيْشٍ مُذَلَّلِ
وَيَوْمَ نَحَرْتُ العِيْسَ لِلْخُودِ لَذَّةً
فَيَا عَجَباً مِنْ شَوْقِ خِلٍّ مُضَلَّلِ
فَبَاتَ لِدَاتُ الحَيِّ يَقْسِمْنَ لَحْمَهَا
وَمَحْضاً كَأَلْوَانِ الجُمَانِ المُفَصَّلِ
وَيَوْمَ وَلَجْتُ الخِدْرَ خِدْرَ "آلِ سَارَةٍ"
فَقَالَتْ: عَدَاكَ اللَّوْمُ، لَا تَتَعَجَّلِ
تَقُولُ وَقَدْ مَالَ المَقَامُ بِنَا مَعاً:
عَبَثْتَ بِأَمْنِي يَا ابْنَ وُدٍّ، فَأَجْمِلِ
فَقُلْتُ لَهَا: طِيْبِي نَفِيساً وَأَبْشِرِي
وَلَا تَحْرِمِينِي نَيْلَ وَصْلِكِ، وَانْزِلِي
فَكَمْ مِنْ كَعَابٍ قَدْ سَبَيْتُ فُؤَادَهَا
وَأَذْهَلْتُهَا عَنْ كُلِّ خِلٍّ وَمَحْفَلِ
أَسَارَةُ مَهْلاً، قَدْ تَمَادَى بِيَ الضَّنَى
فَإِنْ شِئْتِ قَتْلِي، فِي الهَوَى فَتَمَهَّلِي
وَإِنْ كَانَ طَبْعِي قَدْ جَفَاكِ مَلَالَةً
فَخَلِّي وِدَادِي، وَارْحَلِي عَنْ مُعَجَّلِ
أَظَنُّكِ غَرَّتْكِ الشَّغَافُ بِمُهْجَتِي
وَأَنَّكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَقْبَلِ
وَمَا أَرْسَلَتْ عَيْنَاكِ مَاءً لِرَحْمَةٍ
وَلَكِنْ لِتَسْطِي فِي فُؤَادِي بِمِعْوَلِ
وَصَفْوَةِ طُهْرٍ لا يُنَالُ حِمَاؤُهَا
لَهَوْتُ بِهَا فِي غَفْلَةِ المُتَحَوِّلِ
نَفَذْتُ إِلَيْهَا وَالرِّقَابُ شَوَاهِدٌ
عَلَيَّ، وَأَهْلُوهَا بِمَرْصَدِ أَعْزَلِ
إِذَا نَجْمُ سَعْدٍ فِي المَجَرَّةِ لاحَ لِي
كَعِقْدِ جُمَانٍ فَوْقَ نَحْرٍ مُصَقَّلِ
فَوَافَيْتُهَا عِنْدَ المَنَامِ بِمَخْدَعٍ
تَمِيْلُ كَغُصْنِ البَانِ لَمْ يَتَفَلَّلِ
مَضَيْتُ بِهَا وَاللَّيْلُ يُخْفِي مَسِيرَنَا
تَجُرُّ رِدَاءَ الخَزِّ فَوْقَ المُجَدَّلِ
فَلَمَّا بَعُدْنَا عَنْ مَنَارِ حَلِيلِهَا
وُقُوعاً بِقَاعٍ كَالمَجَرَّةِ مُقْفِلِ
أَمَلْتُ بِعِطْفَيْهَا إِلَيَّ فَلَانَتْ
كَمَيْلِ كَثِيْبٍ رَادَهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
إِذَا أَقْبَلَتْ تَمْشِي تَضَوَّعَ رِيحُهَا
شَذَى الرَّنْدِ فِي نَفْحِ الخُزَامَى المُبَلَّلِ
إِذَا نَظَرَتْ نَحْوِي تَنَفَّسَ عِطْرُهَا
كَنَفْحِ عَبِيرٍ فِي الشِّتَاءِ المُزَلْزِلِ
وَوَجْهٍ كَفَلْقِ الصُّبْحِ زَانَ بَيَاضُهُ
سَنَا السِّتْرِ حَتَّى قُلْتُ: يَا شَمْسُ أَقْبِلِي
وَعَيْنٍ كَمِثْلِ المَهَاةِ تَرْنُو بِسِحْرِهَا
فَتَتْرُكُ لُبَّ العَالَمِينَ بِمَعْزِلِ
وَمَارِنِ عِرْنِيْنٍ كَحَدِّ مُهَنَّدٍ
وَخَدٍّ كَلَوْنِ الجُلَّنارِ المُهَيَّلِ
وَمَنْطِقِ حَقٍّ لَا تَلَغْلُغَ شَانَهُ
رَزِيْنٍ كَوَقْرِ الدُّرِّ فِي نُطْقِ أَعْقَلِ
مُمَشَّقَةُ القَدِّ بَيْضَاءُ لَمْ تُعَبْ
تَرَائِبُهَا كَالصُّبْحِ فِي الوَجْهِ المُقْبِلِ
كَدُرَّةِ غَوَّاصٍ يَشُوْبُ بَيَاضَهَا
صَفَاءُ لُجَيْنٍ فِي المِيَاهِ المُحَلَّلِ
تَصُدُّ بِلَحْظٍ مِنْ جُفُونٍ مَرِيْضَةٍ
بِنَاظِرِ خِشْفٍ بِالخَمِيْلَةِ مُهْمِلِ
وَجِيْدٍ كَمِثْلِ المَهَا طَالَ رِفْعَةً
يَزِيْنُ بَيَاضاً كَالسِّرَاجِ المُشَعَّلِ
وَشَعْرٍ كَمَوْجِ اللَّيْلِ زَانَ فِقَارَهَا
أَثِيثٍ كَقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَهَدِّلِ
تَدَلَّى عَلَيْهِ الشَّعْرُ لَيْلاً كَأَنَّهُ
عَنَاقِيْدُ كَرْمٍ فِي غُصُونٍ تَمَيَّلِ
وَكَشْحٍ لَطِيْفٍ كَالخَيْزُرَانِ مُضَمَّرٍ
وَسَاقٍ كَبَرْدِيِّ الغَدِيْرِ المُظَلَّلِ
وَتُومِي بِكَفٍّ طَفْلَةٍ نَاعِمٍ بَنَانُهَا
كَغُصْنِ لُجَيْنٍ فِي أَنَامِلِ أَيْطَلِ
تَشُقُّ سُتُورَ اللَّيْلِ نُوراً كَأَنَّهَا
ذُبَالَةُ صُبْحٍ فِي ضِيَاءِ المُشْعِلِ
تُضِيءُ إِذَا افْتَرَّتْ عَنِ الثَّغْرِ بَسْمَةً
كَبَرْقٍ تَلأْلأَ فِي غَمَامٍ مُهَلَّلِ
وَتَبْدُو بِصَدْرٍ كَاللُّجَيْنِ صَقَالُهُ
تَرَقْرَقَ فِيهِ المَاءُ غَيْرُ المُكَدَّلِ
هَضِيْمَةُ كَشْحٍ تَشْتَكِي ثِقْلَ رِدْفِهَا
كَمِثْلِ نَقاً يَكْبُو بِرِيْحٍ مُجَفَّلِ
نَعُومٌ كَطَيِّ السَّابِرِيِّ مَلَامُسٌ
وَبَشْرَتُهَا كَالرَّيْطِ لَمْ تَتَبَذَّلِ
وَتَعْطُو بِكَفٍّ كَالمَدَارِي لَطَافَةً
مُخَضَّبَةَ الأَطْرَافِ لَمْ تَتَجَفَّلِ
إِذَا مَا تَرَاءَتْ كالقَنَاةِ لَدَيْنَةً
تَمِيْلُ مَعَ الأَنْسَامِ مَيْلَ المُغَزَّلِ
هِيَ الغَادَةُ الحَسْنَاءُ طَابَ وَفَاؤُهَا
كَمِسْكٍ ذَكِيٍّ فِي رِدَاءٍ مُغَسَّلِ
كَأَنَّ يَدَ الرَّحْمَنِ صَاغَتْ جَمَالَهَا
عَلَى نَسَقٍ بَيْنَ الخَلَائِقِ أَكْمَلِ
إِلَى مِثْلِهَا يَصْبُو الحَلِيْمُ صَبَابَةً
وَيَنْسَى عُهُوداً بَيْنَ صَحْبٍ وَمَنْزِلِ
وَلَيْلٍ سَحَقْتُ الهَمَّ فِيهِ بِعَزْمَتِي
وَإِنْ ظَنَّ أَنِّي مِنْ لَظَاهُ بِمَصْطَلِ
وَصَمْتٍ كَأَنَّ الدَّهْرَ فِيهِ مُقَيَّدٌ
بِأَرْسَانِ لَيْلٍ بِالعَمَايَةِ مُثْقَلِ
وَهَمٍّ كَزَحْفِ اللَّيْلِ سَدَّ مَطَالِعِي
عَلَى نَفَسِي حَتَّى كَأَنِّيَ فِي غِلِ
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا اسْتَطَالَ بِثِقْلِهِ
وَأَرْدَفَ أَعْجَازاً وَنَاءَ بِمِنْصَلِ
أَلَا فَلْيَطُلْ هَذَا الظَّلَامُ فَإِنَّمَا
نَهَارِي عَمىً، وَالفَجْرُ رَجْمُ المُجَدَّلِ
فَيَا لَيْلُ زِدْنِي مِنْ مَوَاجِعِكَ التِي
أَبَتْ أَنْ تَزُولَ، أَوْ بِمَوْتٍ فَعَجِّلِ
أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ المُعَنِّدُ لَا تَسَلْ
عَنِ الصُّبْحِ، فَالأَنْوَارُ فِيكَ كَأَسْمُلِ
فَيَا لَكَ مِنْ لَيْلٍ كَأَنَّ نُجُومَهُ
بِكُلِّ مَغَارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بِجَنْدَلِ
وإِنِّي لَمِقْدَامٌ إِذَا الخَيْلُ أَحْجَمَتْ
بِصَدْقِ يَقِيْنٍ فِي اللِّقَاءِ المُهَوَّلِ
صَدُوقٌ إِذَا أَعْطَيْتُ عَهْداً وَذِمَّةً
أَبِيٌّ عَلَى المَكْرُوهِ غَيْرُ مُحَلَّلِ
كَرِيْمٌ كَمَوْجِ البَحْرِ يَطْمُو سَخَاؤُهُ
جَوَادٌ بِمَا يَحْوِي وَإِنْ لَمْ يُسْأَلِ
حَلِيْمٌ إِذَا مَا جَهْلُ قَوْمٍ أَصَابَنِي
شُجَاعٌ لَدَى الهَيْجَاءِ غَيْرُ مُوَكَّلِ
لِيَ العِزُّ فَوْقَ الهَامِ يُبْنَى عِمَادُهُ
وَصِدْقُ وُعُودٍ فِي القِيَامِ المُؤَصَّلِ
تَرَاهُ يَصُبُّ المَالَ فِي كُلِّ وُجْهَةٍ
يَكُبُّ عَلَى الأَذْقَانِ فَقْرَ المُعِيَّلِ
وَمَا حَلَّ فِي حَيٍّ فَأَبْقَى بِهِ طَوىً
وَلَا مُعْدِماً إِلَّا أَثَابَ بِمَجْزَلِ
كَأَنَّ نَدَاهُ فِي فَيَاضِ بَنَانِهِ
كَبِيْرُ غِيَاثٍ فِي سَحَابٍ مُهَلَّلِ
وَأَلْقَى بِسَاحَاتِ الكِرَامِ مَتَاعَهُ
نُزُولَ المُغِيثِ ذِي الغَمَامِ المُظَلَّلِ
كَأَنَّ الهُمُومَ فِي حِمَاهُ غَرِيْقَةٌ
بِأَرْجَائِهِ تُنْفَى بِكَفٍّ مُنِيْلِ
وَيَوْمَ بَدَا لِلْبَيْنِ شَكٌّ وَزَفْرَةٌ
وَرُكْنُ الهَوَى مِنْ بَعْدِ سَارَةَ مُجْذَلِ
أَطَاعَتْ بِنَا عَيْنُ النَّوَى كُلَّ حَاقِدٍ
فَشَدُّوا عِيَاطَ العِيْسِ قَبْلَ المُقَيَّلِ
فَأَسْبلْتُ دَمْعاً لَوْ أُرِيْقَ عَلَى ثَرَىً
لأَنْبَتَ زَهْرَ الحُزْنِ فِي كُلِّ مَنْهَلِ
فَيَا دَارَهَا قَدْ صِرْتِ لِلرِّيحِ مَلْعَباً
وَمَأْوىً لِبُومٍ فِي خَرَابٍ مُعَطَّلِ
أَمُوتُ وَيَبْقَى الحُبُّ يَقْتَاتُ مُهْجَتِي
وَمَا كُنْتُ لَوْلَا البَيْنُ مِمَّنْ يُذَلَّلِ
سَلَامٌ عَلَى تِلْكَ اللَّيَالِي وَأَهْلِهَا
سَلَامَ غَرِيْبٍ مَالَ لِلرَّمْسِ مُثْكَلِ
تَمَّتْ بَحَمْدِ اللهِ نَظْماً كَأَنَّهُ
نُجُومُ الثُّرَيَّا فِي سَمَاءٍ وَمَحْفَلِ
فَإِنْ يَكُ فِيهَا مِنْ جَزَالَةِ مَنْطِقٍ
فَمِنْ فَيْضِ طَبْعٍ بِالمُرُوءَةِ مَنْهَلِي
وإِنْ يَكُ بَيْنِي وَالبُحُورِ مَفَازَةٌ
فَقَدْ جُبْتُهَا بَحْراً بِشَوْقٍ مُؤَصَّلِ
سَلَامٌ عَلَى مَنْ قَادَ لِلشِّعْرِ رَكْبَهُ
سَلَامَ وَفَاءٍ بِالدُّعَاءِ المُبَجَّلِ