يا بلبلَ الروض ما أبكاك في السَّحرِ
أراك مثليَ تشكو طيلةَ السهرِ
الطيرُ في الأيك لا حسٌّ ولا خبرٌ
وأنت وحدَك في شجوٍ وفي ضجر
إن كانت الطيرُ عن شكواك نائمةً
فبُثَّ وجدَك لي إنّي على حضر
شكواك إن لم يكنْ في الطير مستمعٌ
لها، فهذي لها مصغٍ من البشر
لا يدركُ الوجدَ إلا من يجرّبُه
إن كان من بشرٍ أو كان من شجر
هل أنت من عوزٍ في الرزق مُنسعِرٌ
أم يائسٌ لم تفزْ سعيًا إلى وطر؟
أم أنّ قلبك قد صادته ساحرةٌ
فصِرْتَ تحيا بلا قلبٍ كمحتضر؟
خفِّفْ من الدمع لا تشجَنْ لنازلةٍ
واصبرْ على الخطب لا تيأسْ من الظَّفر
والليلُ مهما يطلْ لابدّ يتبعُه
فجرٌ أغنُّ وصبحٌ أبلجُ الغرر
كزهرة الورد فوق الغصن ما نظرت
عيونُها بعد نور الشمس والقمر
كزهرة الفلِّ ماسُ الطلِّ داعبَها
عند الصباح فألقت بالشذى العَطِر
سرعانَ ما ذبلت أوراقُها وذوى
شبابُها الغضُّ واعتلَّت على الأثر
الدهر عارضني، واليتمُ أرمضني
وفي ربيع حياتي خانني قدري
والنفس من صلف الأيام في ألمٍ
والدمع من مرضي كالغيث منهمر
وعَيْشةٌ عشتُها في البؤس صاحَبَهُ
توثُّبٌ للعلا مذ كنتُ في الصغر
يا بلبلاً قد شكا شوقًا لبلبلةٍ
وراح يقضي الليالي ساهر البصر
في قلبهِ حسراتٌ ليس يعرفها
إلا الذي فيه قلبٌ ليس من حجر
ذكّرْتَني بالهوى العذريِّ فاحترقت
نفسي حنينًا وسال الدمع كالمطر
حتى البلابلُ تبكي بعد صاحبها
وتسهر الليل في النجوى على حذر
يا بلبل الروض لا تيأسْ فإن لنا
ربّاً سيرحمُ قلبًا صار في خطر
من كان تاركَنا في وحدةٍ ولقد
سمعتُ عن عدله شتّى من السِّيَر
وأْملْ، فإنّ لنا من قلب آسرنا
شيئًا يشجِّع واصبر صبْرَ مقتدر
هل أنت تعلم أني قد قضيت على
قاسي الفراش سنينًا مثل منتحر
وإن في القلب حزنًا لا يخفّفه
إلا نوالُ المنى والبرءُ من ضرر
حالي كحالك إلا أن بي مرضًا
لو فكّر الناس فيه أعظَموا خبري
يا طيرُ فلنبكِ، فالأقدارُ تجمعنا
ولنرسلِ الدمع ألحانًا على وتر
تُرى ستزدان دنيانا بحليتها
وندرك القصد؟ أن نمضي بلا أثر؟
ترى سترجعُ أمواهُ الودادِ إلى
صفائها أم تُرى تزداد في العكر
وغنِّنا الآن إنشادًا تذكِّرنا
بعهدنا الخلو ريَّانٍ ومزدهر
لعله الدهرُ يصفو بعد كدرتهِ
ويرجع الجوُّ صحوًا مشرقَ الصور
ونجتني ثمر الأحلام يانعةً
ونحتسي خمرة الآمال والفكر