حياة المرء في الدنيا منامُ
سواء طال أو قَصُرَ المقامُ
وأكثرها وإن صافتك كربٌ
وحالَ صفائها يَرِدُ القتام
ودون نعيمها أبدًا شقاءٌ
ودون دوامهِ الموتُ الزؤام
حياةٌ تجلب الأكدار طبعًا
وهل في دار أكدارٍ سلام؟
حياةٌ دأبها غدرٌ ومَيْنٌ
وهل يرجى بغدّار ذِمام؟
ننام بوسط أجفان الرزايا
وأجفان الرزايا لا تنام
حياة عُلّقت في خيط قطنٍ
يدانيه ليقطعه حسام
فما عجب إذا ما الموت وافى
بلِ الإعجاب أن تحيا الأنام
وأعجب منه إنسانٌ جهولٌ
يسير كما لو امتنع الحِمام
ترفَّقْ أيّها السّاري بنفسٍ
فما خلقتْ لتحْطِمَها الحطام
براها الله للفردوس عرسًا
فما دار الشّقاء لها مقام
فلا تربطْ فؤادك في شقاها
ولا تشغلْك خَودٌ أو طعام
وذقْ من خمر حبّ الله صِرفًا
حذارِ بأن يخالطها مدام
وودِّعْ واتركِ الأهلين واهتفْ
على الدنيا ومن فيها السّلام
كذا مات السّليم الشاب لهفي
عليه كلما سجع الحمام
كذا مات الذي بالأمس كنا
بطلعته نهيم ولا نلام
قضى يا ويلتي في البؤس يومًا
وقد نَفَذَتْ بمهجته السّهام
فحلّ السّهم عمدًا في حشاه
ولم يمنعْه حِلّ أو حرام
وضامَتْه أيادي الموت ضيمًا
وما عهدي السليم كذا يضام
ولم ترفقْ بصبوته المنايا
ولم تحفل بطلعته الهوام
أناديه سليمُ ولم يجبني
وعهدي فيه غوَّاثٌ همام
أغصنٌ أخضرٌ ألقاه قصفًا
هواءٌ أصفرٌ فيه الحُمام
وأندبه أيا بدرًا ولكنْ
يحجّبه تراب لا غمام
تلالأ نوره بالشرق حتّى
بسوق الغرب فاجأه الظلام
فتًى في فضله الأدبا أقرَّتْ
وما في ذاك خِلْفٌ أو خصام
وآثار الدهور له شهودٌ
لنذكرَ فضلَه ما مرّ عام
لقد حاز الكمال وكلّ فضل
وزيَّنه بمولاه اعتصام
لذا ما راعه روعُ المنايا
كذا من يتقي المولى ينام