تخطَّ إلى المحتوى

يأتي الزمان بما لا يستطاب به

الكامل

٢٧ بيت

الرثاء

يأتي الزمانُ بما لا يُستطابُ بهِ

يُخفي المسرّاتِ بين جفنيه ويرتحلُ

جوادُ ذكرى، إذا ما مرّ من زمنٍ

آنًا فآنًا، وفي أعماقنا يَثِلُ

يُورِثُ الحزنَ جيلًا بعد جيلٍ فما

يخلو من الثكلِ قلبٌ منه أو خَبَلُ

طفلٌ يموتُ وعرسٌ ماتتِ الضحكاتُ في

ه، وشيخُ حيٍّ على الأمس يتّكِلُ

والأمُّ تندبُ حملًا مات في كبدٍ

والأبُ يحملُ نعشًا واهيًا يَكِلُ

صوتُ اليتامى بأعلى الصمتِ يصرخُنا

والفقرُ يُسكتُ جوعانا فينعزلُ

والحبُّ يُذبحُ في أيّامِ غربتنا

والطفلُ يسألُ: أين الأمُّ؟ لا أملُ

والعاشقون على أبوابِ وحشتنا

يموتُ شوقًا أسيرُ الوجدِ والقُبَلُ

والأصدقاءُ سرابٌ في منازلنا

والأقربون إذا استنجدتَ قد خذلوا

والنازحون حفاةً فوق أجنحةٍ

والدارُ خلفهمُ نارٌ بها شُعَلُ

والغدرُ ثوبُ الذي بالأمسِ قاسمنا

رغيفَ عيشٍ، وفي كفّيه ننتقلُ

والظلمُ أوسعُ أبوابِ الوجود لنا

لا عدلَ يُرتجى، لا مخرجٌ، لا دُوَلُ

والروحُ تئنُّ من همٍّ يُلاطمها

والجسدُ الناحلُ المطعونُ يضمحلُ

هذا أنا أتعرّى من دمي قلقًا

أمشي وروحي على أكتاف من رحلوا

ألفيتُ نفسي ولا نفسي تؤانسني

كالبيتِ أوحشَ لمّا غاب من سكنوا

أشكو الزمانَ ولو أن الزمانَ دَهى

ما كان أوجعَ من شكوى بها عِلَلُ

حمّلتُ قلبي ثقالَ العمر يحمله

قلبٌ لو الناسُ تَدري حِملَه مَهِلوا

نشوانُ لم يشربِ الكأسَ التي وُعدتْ

حيرانُ ما سكرَتْ عيناه بل ثَمِلوا

لا تسألِ العمرَ كم يمضي وكم بقي

فالجرحُ جرحُكَ والأحزانُ تشتملُ

والناسُ حولكَ في لهوٍ وفي لعبٍ

يمشون، والقبرُ تحت الخطو ينتقلُ

يمشون، والموتُ في أقدامهم دَبِبٌ

يمشون، والدربُ نحو الفقدِ مُتَّصِلُ

يا ليتنا حين كنّا العمرَ نعمره

كنّا لآتٍ من الأعمارِ نمتثلُ

يا ليتنا حين ضيّعنا مواعِدَنا

كنا بغير الذي ضيّعناه نعتذرُ

تنفكُّ تشكو إلى الرحمنِ غربتَنا

واللهُ أرحمُ من يُرجى ومن يُسألُ

يا ربِّ إن كان هذا العمرُ موعدَنا

فاجعل لقاءكَ خيرًا منه يُكتملُ

واجعل لنا بعد هذا الشوكِ مغفرةً

وفي جنانكَ دارًا لا بها وَجَلُ

فالعيشُ ومضُ اشتياقٍ في تقلّبه

والموتُ وصلٌ، ومن لاقاك يكتملُ