تخطَّ إلى المحتوى

أضناني الوجد حتى ضاق بي الألم

البسيط

٤٤ بيت

المديح

أضنانيَ الوجدُ حتى ضاق بي الألم

واستوحش القلبُ لا صبرٌ ولا حِلْمُ

أسائلُ الليلَ هل في البوحِ مُتَّسَعٌ

أم أن سرَّ الهوى في الصدرِ ينكتمُ

ما لي أُغالِبُ أشواقًا مؤرِّقةً

كأن في مهجتي من نارِها ضَرَمُ

أبيتُ بين لظى الذكرى مُكابدةً

كأنني في عرينِ الحزنِ أحتدمُ

حتى إذا خِلتُ أن العشقَ مُنصرِفي

أبصرتُ نورًا به الآفاقُ تبتسمُ

ورُحتُ أعلمُ أن الحبَّ منزلةٌ

لا يستقيمُ إذا لم يُشرقِ القيمُ

هو الحبيبُ الذي لولاهُ ما انفلقتْ

شمسُ الهدى واستنارَ اللوحُ والقلمُ

به استضاءت عقولُ الأرضِ وانبثقتْ

سُبُلُ الرشادِ فزالَ الغيُّ والظُّلَمُ

من مكةِ المجدِ من هاشمٍ علا نسبٌ

طابت مغارسهُ والزهوُ والشَّمَمُ

سلسالُ نورٍ توارثهُ الأُلى شرفًا

حتى تجلّى به المختارُ يبتسمُ

من عبدِ منافٍ ارتقى فخرٌ يُؤرِّخهُ

عزٌّ وفي سفرِ الأيامِ يعتصمُ

إلى لؤيٍّ فكعبٍ ثم هاشمَ إذ

بهم ذُرى المجدِ في الآباءِ تُختتمُ

حملتهُ آمنةٌ والبِشرُ طالعُها

كأنها الفجرُ والإشراقُ ينتظمُ

فاهتزَّ إيوانُ كسرى عند مولدهِ

وانهدَّ صرحُ طغاةٍ فيهمُ سَأَمُ

وانطفأت نارُهم غاضت بحيرتُهم

كأنما الرعبُ في أرجائها حُطِموا

ليلُ الاثنينِ ما زال الزمانُ به

يزهو ويُحفَظُ في الأعصارِ يُحتشمُ

يتيمُ مكةَ لكن في جلالتهِ

عرشُ العنايةِ لا مالٌ ولا خدمُ

رعيتَ شاةً لكن كنتَ مُؤتَمِرًا

بأمرِ ربٍّ لهُ الأملاكُ تنتظمُ

نشأتَ صدقًا فلا زللٌ تُدانُ بهِ

ولا استمالتكَ أوثانٌ ولا صنمُ

أما شمائلُكم فالوصفُ يعجزها

والحرفُ يقصرُ إن رامَ الذي عَلِموا

وجهٌ إذا لاحَ أذكى البدرَ مُكتملًا

وصوتُهُ في حنايا الروحِ ينسجمُ

يمشي الهوينى فلا كِبرٌ يُصاحبهُ

ولا ادّعاءٌ ولا في خُطوهِ وَهَمُ

إن صافحتْ كفُّهُ نفسًا مُكدَّرةً

عادت نقيةَ لا ضُرٌّ ولا سَقَمُ

عرقٌ كمسكٍ وريحٌ لا يُدانيهِ

روضٌ ولا نفحُ أزهارٍ ولا نَسَمُ

والجذعُ حنَّ ولولا ضمُّ راحتِهِ

لباتَ من لوعةِ الأشواقِ مُكتَتِمُ

والحجرُ سلَّمَ والأشجارُ خاشعةٌ

والضبُّ أقرَّ والآياتُ تزدحمُ

والبدرُ شُقَّ فصارَ الشكُّ مندحرًا

والكونُ من رهبةِ الآياتِ يعتصمُ

أُسْرِيَ به والليالي في مهابتها

كأنها العرشُ والأسرارُ تنكتمُ

حتى أتى بيتَ أقصانا فشرَّفهُ

نورٌ به المجدُ والإيمانُ يبتسمُ

صلّى وراءهُ جمعُ الرسلِ قاطبةً

واستيقنتْ أنهُ تاجٌ على العُلا يسمُ

ثم ارتقى سُدُرَاتِ المنتهى سُرًى

حتى دنا وسرُّ الغيبِ مُحتشمُ

وقابَ قوسينِ أو أدنى كما نُقلتْ

آياتُ ربٍّ بها التقديسُ يُختتمُ

في بدرٍ الحقُّ إذ ضاقت مسالكُهُ

جاءت ملائكةُ الرحمنِ تقتحمُ

والخندقُ الغبرُ إذ هاجت عواصفُهُ

تكسّر الجمعُ والأحزابُ تنهزمُ

وفي أُحُدٍ جراحُ الرأسِ داميةٌ

لكنَّ عزمَك في الرحمنِ يبتسمُ

والطائفُ القاسي إذ أغرى سفاهتَهُ

عدتَ الحليمَ ولم تُبدِ الذي نَقِموا

وقلتَ إلهي اهدِ قومي إنهم جهلوا

فكنتَ أرحمَ من في الأرضِ يحتكمُ

يا سيّدَ الخلقِ يومَ الحشرِ إن وقفتْ

أممٌ وكلٌّ بما أسلفتْ تُحتكمُ

والشمسُ فوقَ رؤوسِ الناسِ دانيةٌ

والعرقُ بحرٌ وأرضُ الجمعِ تضطرمُ

فاشفع لعبدٍ أتى يرجو عنايتكم

وقد أثقلتهُ أوزارٌ بها سقمُ

ما لي سواكَ إذا ما الخلقُ قد ذُهلوا

وكلُّ بابٍ سوى بابِ الرجا عَدَموا

يا ربِّ بالمصطفى اغفر زلّتي كرمًا

فأنتَ أكرمُ مأمولٍ ومُغتنمُ

صلّى عليك إلهُ العرشِ ما طلعتْ

شمسٌ وما سبّحَتْ في الكونِ أنجُمُ

تبقى المآذنُ العلياءُ شاهدةً

أن الحبيبَ به الأرواحُ تلتئمُ