ولأنّي شاعرٌ صاحبُ شُهرهْ
جاءتِ الشّرطةُ للتّفتيشِ عنّي
دخلُوا المقهى الّذي
آخذُ قهوايَ به كلَّ مساءْ
فحصُوهُ جيّدًا
بِعُيونٍ ذاتِ خُبْثٍ و دهاءْ
فحصُوا النّاسَ جميعًا
يلعبونَ الدُّومِنو
لا يبالونَ بِمَنْ راحَ و جاءْ
كنتُ وحدِي
راكنًا
أقرأُ أسبوعيّةً
يكتبُ فيها الأدباءُ الشّعراءْ
رُبّما قلتُ يريدونَ مكانًا
ليسَ في المقهى مكانٌ للبقاءْ
رُبّما قلتُ يريدونَ صديقًا
في المقاهِي عادةً
يتلاقَى الأصْدقاءْ
رُبّما قلتُ أَتَوْا
للبحثِ عن شخصٍ خطيٍر
لَا! فمقهى حارتِي
كلُّ مُرْتَادِيهِ ناسٌ بُسطاءْ
رَابنِي أمرُ الْخُطَى
قدْ نشأنا نحنُ في أوطانِنا
يقتلُنا الخوفُ مِنَ العَسْكرِ و البُوليسِ
كالفئرانِ أو
كالخرافِ الْجُبَناءْ
طلبُوا النّادلَ فاسْتبشرتُ خيًرا
وتنفّستُ لِفورِي الصُّعداءْ
قلتُ: همْ كالنّاسِ أيضًا!
يحتسونَ الشّايَ و القهوةَ
أوْ كوكا و بيبسِي
وسَيَمْضُونَ بُعَيْدَ الْإِنتهاءْ
جَالَ طَرْفِي
في كرُوشٍ بَرَزَتْ
والنّادلُ المسكينُ عودٌ بينهمْ
كَبُرَتْ أحشاؤُهم
مِنْ أكلِ سُحْتٍ و ارْتشاءْ
فجأةً؛
أوْمأَ النّادلُ بالإصبعِ نحوِي
فأصابتْني القُشَعْرِيرَةُ
واحمرّتْ خُدودِي
وتأكّدتُ بأنْ حلَّ البَلاءْ
إنّ لي والدةً يُغْشَى عليْها
حينما يلحقُنِي أيُّ بَلاءْ.
اِدّنى الضّابطُ منّي
أحدقَ الأعوانُ بِي
وكأنّي مجرمٌ مقترفٌ ألفَ اعْتداءْ!
حدّقُوا في وَجْهيَ المْهمومِ
تحديقَ احْتقارٍ و عَداءْ
نطقَ الضّابطُ:
"ها أنت هنا يا نذلُ يا ابنَ الْ …!"
طارَ عقلي مثلَ مجنونٍ
وفارتْ في شرايِيني الدّماءْ
قَدَمٌ تمتدّ صاروخيّةً منّي
وإذ بالضّابطِ الوغد على الأرضِ طريحٌ
هامد مثلَ الفِراءْ
تذهبِ الدّنيا و ما فيها
إذا أكرمُ أمٍّ هكذَا
تُقْذَفُ مِنْ غيِر حَياءْ!
وهوَى أعوانُه لكمًا و ركلًا
في أُعَيْضَائِي
كأنّي فاقدُ الحسِّ عديمُ الإشتكاءْ!
ختمُوني كاملًا
جعلُوا حِنطيَّ لوني زُرقةً في حُمرةٍ
لَمْ يتركُوا
غيَر أنفاسِ الذّماءْ!
أحضرَ النّادلُ كأسًا
سَقَوُا الضّابطَ ماءً
فإذا الأمرُ بصفدِي
صادرٌ في كبرياءْ
لم تكنْ وا أسفي
ضربةً قاضيةً
تشفي غليلي من لئيمِ اللّؤماءْ!
ثم سَاقوني إلى مركزِهم
مركزٌ للأمنِ
لا يَأمنُ مَنْ يدخلُه
مركزٌ للرّدعِ و التّحقيرِ
والتنكيلِ و التّجريدِ مِنْ كُلِّ الكَرامَاتْ.
ضيّفوني في ظلامٍ دامسٍ
أكثرَ من سبعينَ ساعهْ
لا أرى جنْبي
سوى بيتِ الخَلاءْ (الخِراءْ).
أخذُوني في صُداعِي بعدَها
واسْتنْطقُوني
سألوا عن كلِّ شيءٍ
منذ ميلادي
إلى يوم اقتيادي
حَلّلُوا ذاكرتِي
عرفوا الماضيَ و الحاضرَ
والآتِيَ أيضًا!
حمّلوني تُهمًا كبرى
كمثلِ الخائنينَ العُملاءْ
فأنا مَنْ أشتُمُ الدولَة جهرًا
وأسبُّ الحاكميَن المخلصينَ الأوفياءْ
وأنا مَن أجمعُ النّاسَ حَوَاليَّ
وأدعُوهم إلى الثَّورةِ ضدَّ الزّعماءْ
وأنا مَنْ يزرعُ الفِتنةَ و الْفَوْضَى
ومَنْ يَكسرُ أضواءً و أقفالًا
وأشجارًا و دورًا
ويقودُ الأشقياءْ
وأنا ...
وأنا ...
وأنا الدُّودةُ و الدَّاءْ!!!
وأخيًرا
فأنا مَنْ ضربَ الضّابطَ عمدًا
حينما كانَ يؤدِّي واجبًا
في تَفانٍ و وَفَاءْ!
قلتُ:
"إنّي أيّها السّادةُ و اللهِ بريءٌ!"
"إنّما قدْ قذفَ الضّابطُ أمِّي
هكذَا دونَ اعْتبارٍ أو حَياءْ!!!"
نَهرُونِي:
"أيّها الكاذبُ صَهْ!
وقُلِ الصِّدقَ لِتَخفيفِ الْجَزاءْ!"
قلتُ -هلْ ينفعُ قولي؟!-:
"أنا ياسَادةُ ... و اللهِ بَراءْ!
أنا و اللهِ بَراءْ!"